تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
بل يقول ( ما لها ؟ ) فيُخبر عن الفاعل ( ربّكَ أوحى لها ) . مناقشة المنهج اللفظي لأحكام ( ثُمَّ ) وآراء النحويين فيها : واختلفوا في حرف العطف ( ثُمَّ ) فقالوا يقتضي ثلاثة أمور : التشريك في الحُكم والترتيبُ والمُهلة . وقال ابن هشام : ( وفي كلٍّ منها خلاف ) - مغني اللبيب / 1 / 119 وما بعده . وقد فصلوا بين الترتيب والمهلة وهما متلازمان ، لأنَّك لو قلت ( درس زيدٌ الكتابَ ثمَّ استنسخه ) ، فمعلومٌ أنَّه إذا وقعت مهلةٌ بين الدراسة والاستنساخ فقد وقع الترتيب حتماً . وإذا وقع الترتيب فهناك مهلةٌ أو تراخٍ في الأقل بما يفيده هذا اللفظ ، إذ لا بدَّ من اختلافٍ بينه وبين حروف العطف الأخرى . قال تعالى : * ( وَبَدأ خَلْقَ الإنسَانَ مِنْ طين * ثُمَّ جَعَلَ نَسلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهين * ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فيهِ مِنْ رُوحِه ) * ( السجدة 7 - 9 ) وقوله تعالى : * ( خَلَقَكُم مِن نَفسٍ وَاحدةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها ) * ( الزمر 6 ) لماذا استشهد المخالفون بهذه الآيات ؟ لأنّهم زعموا أنَّ الآيات ليس فيها ترتيبٌ في الوقائع . إذن . . فاعلم أن اللفظ ( ثُمَّ ) لا يفيد الترتيب حسب قولهم ، لأنَّ هذه الأفعال حدثت سويةً . فانظر ماذا أجاب المثبتون للترتيب ؟ ! لم يقولوا أنَّ الوقائع هنا متعدّدة ومرتّبة ، بل قالوا خمسة أوجهٍ : الأول : قدّروا في الآيات محذوف ، أي ( من نفسٍ واحدةٍ أنشأها ثمَّ جعل منها زوجها ) . وظنّوا أنَّ ذلك يخلِّصهم من الاعتراض غافلين عن بقاء الجعل مرتّباً بعد الإنشاء ! . والآخر : تأويل اللفظ ( واحدةٍ ) على صيغة الفعل ( توحّدت ) ! وبطلانه من أوضح الأمور . والثالث : إنَّ الخلق تمَّ في عالم الذرِّ قبل خلق حواء ! وإذن . . فعالم الذرِّ لا يحتاج إلى جنسين : ذكرٍ وأنثى كما يُفهمُ من كلامهم ، بل وعالم الذرِّ اقتصر على الذكور ! . وهذا بخلاف آية الذرِّ كما هو معلومٌ . كلُّ ذلك وهم يحسبون أنَّهم شهدوا خلق أنفسهم . قال تعالى : * ( مَا أشهَدتُهُم خَلْقَ السَّموات والأرض وَلا خَلْقَ أنفُسِهُم ) * ( الكهف 51 ) والرابع : إنَّ ( ثُمَّ ) هنا وُضِعَت إيذاناً بترتّبهِ وتراخيه في الإعجاب وظهور القُدرة . وهي عبارةٌ نتركها لفلاسفة النحويين إنْ كان ثمّة فلاسفةٌ نحويون ، لأننا لا نعلم مِن معاني ( ثُمَّ ) إفادة التراخي في ( الإعجاب ) ! ، بل لا نعلم كيف نحمل قائلها على محملٍ