بها ، فقتل ابن عمه أيضا ، وسكَّن من نفس الضيف ، حتى لا يذعر ، ولم يكن له ما يطعمه تلك الليلة ، فعرقب فرسه ، وذبحه ، واشتوى من لحمه ، وأوقده حتى اصطلى به الضيف .
فلما أصبح ، وارتحل الضيف ، خاف أن يبلغ القرامطة خبره ، فيأمر العريف بأخذه وإسلامه إلى المحنة ، فهرب إلى إبراهيم .
فرأيت رسول القرامطة ، قد جاء إلى إبراهيم ، فأخذه على صلح وأمان ، ورجع إلى حيّه ، ثم بلغنا أنّهم محنوه بعد ذلك ، تأديبا له ، فما سمع برجل في زماننا من أهل البادية ، أشجع ، ولا أكرم ، ولا آدب منه .
والمحنة عند القرامطة ، أنّهم إذا نقموا على رجل ، استدعوه من حيّه ، إلى الأحساء بلدهم ، فطرحوه ، إمّا مقيّدا يكدّى في البلد ، أو سائسا للخيل ، أو راعيا للغنم أو الإبل أو ضربوه ، وجدّدوا عليه في كل يوم لونا من العقاب ، ولا يزال عندهم حولا ، وأكثر .
وربما عاقبوه [ 72 ] بألوان أخر .
فجميع ما يعملونه من التأديب ، يسمونه محنة « 1 » .
هامش
« 1 » المحنة : ما يمتحن به الإنسان من بلية ، يقال : محنه عشرين سوطا : أي ضربه ، ولا وجود للمحنة في الشريعة الإسلامية ، وإنما يوجد التعزير ، وهو في اللغة : اللوم ، وفي الاصطلاح ضرب من العقوبة ، يقصد به تأديب الجاني ، لمنعه من معاودة فعله ، ويرد التعزير في التصرفات المخلة التي لم يرد لها حد في الشرع ، ويشترط أن لا يبلغ التأديب فيه ، الحد الشرعي ، ويعود للقاضي أمر تقرير إيقاع التعزير ، أو الإعفاء منه ، كما يعود له تعيين نوع التعزير ومقداره ، للتفصيل راجع دائرة المعارف الإسلامية 5 / 310 - 312 .