91 الأكل مع الإخوان لا يضر
أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى ، وعبيد اللَّه بن عبد العزيز ، وعلي بن أبي علي ، قالوا : حدّثنا محمد بن عبيد اللَّه بن الشخير ، قال حدّثنا حمد بن الحسن بن علي المقرئ ، قال : سمعت بنانا « 1 » يقول : حدّثني عباس
هامش
« 1 » أوصى بنان رجلا ، فقال : إذا دعيت إلى وليمة - إن شاء اللَّه - فإياك ثم إياك أن تتأخر إلى آخر الوقت ، وتتشاغل ، وتسترخي ، وتتثاقل ، وتقول : الساعة ، وإلى ساعة ، وأيش فاتني ، وبعد ما جا أحد ، وما لي أكون من السبق ، ولم أكون أنا أول الناس ، ومثل هذا وأشباهه فيخطىء حظك ، وتسيء اختيارك ، ويضيع يومك ، وهذا فعال الحمقى القليلي الحزم ، وإذا دعاك صديق لك ، فاستخر اللَّه ، وكن من السبق ، وأول من يوافي ، واقبل وصيتي ، فإنك ترشد ، وتتبين الصلاح إن شاء اللَّه ، اعلم أنه ليس يجيء في أول الأوقات إلا جلة الناس ، وسراتهم ، كاتب ، بزاز ، عطار ، سراج ، أنماطي ، ونحوهم ، فقعودك مع مثل هؤلاء فيه فائدة ، وأنت معهم آمن ، مطمئن ، مسرور ، تسمع كل حديث حسن ، وخبر ظريف ، وأنت ريح البدن ، واسع الموضع ، طيب المكان ، قاعد مع هؤلاء على أول مائدة ، والزم هذه الطبقة ، لا يزايل سوادك بياضهم فتهلك ، وأنت إن لم تربح لم تخسر ، وقعودك على أول مائدة فيه خصال كثيرة محمودة ، إذ تأكل رؤوس القدور ، وكل شيء كثير ، والقدور ملأى ، والماء بارد ، والخباز نشيط ، ورب المنزل فرح مسرور ، وكل شيء من أمرك مستور ، وأنت مع قوم كأنهم الدنانير ، أحيى من الابكار ، يعرفون أيش يأكلون ، لا يخفى عليهم طيب الأطعمة ، ولذيذ الأشربة ، فالأكل مع هؤلاء غنيمة وسلامة ، وتتهنأ بكل شيء تأكله وتشربه ، وإذا أسرعت في ذهابك فرجت عن صاحب الوليمة بسرعتك ، ولم تقلق قلبه ، وقضيت واجب حقه ، وإن تأخرت ، أو تكاسلت إلى آخر الوقت ، فإنك تصادف الطعام باردا ، وهو فضلات القدور ، والرقاق بقايا عجين ، والماء سخنا ، وصاحب الوليمة ضجرا متبرما ، واعلم أن آخر مائدة يضيق على أهلها الطعام ويقل ، لأن حكم المائدة عشرة ، فيقعد ثلاثون ، ولا يقدر الرجل أن يأكل من اللون أكثر من لقمة واحدة ، لقلته ، وكثرة الأيدي عليه ، ويكون موضعك أضيق من جوفك ، مع قوم إذا قال لهم صاحب الوليمة : قوموا ، سارعوا إلى الخوان ، فانبسطو في ميدان المضغ ، ورفعوا قناع الحشمة ، وألصقوا الأكتاف بالأكتاف ، كأنهم بنياد مرصوص ، يأكلون ميمنة ، وميسرة ، وقلبا ، وتدور أيديهم على الخوان ، شرقا وغربا - وتسمع للقوم في حلوقهم معمعة ، وذلك لأنه لا يقعد على آخر مائدة ، إلا ضعفي الجيرار ومساكين المحلة والقوام ، فإن قدم لهم جداء وحملان ، فلا يقدم لهم إلا شرها ، يقدم الجدي اضلاعا بلا لحم ، فوقه جلد ، وحوله خس وهندبا ، كأنه كوخ ناطور ، قد وقع خشبه ، وبقي القصب قائما ، فأيش يكون حال من له أدنى مروءة مع هؤلاء ؟ لا يأكل قليلا ولا كثيرا ، ويقوم من الخوان ، وفؤاده أخلى من فؤاد أم موسى ، جايع ، نايع ، ما معه من العرس ، إلا شم الطعام ، وتمشيش العظام ، وإنما شرحت لك لتفهم ، واعلم أني قد نصحتك غاية النصيحة ، متعك اللَّه بسعة الصدر ، وطيب الأكل ، والصبر على المضغ ، إنها دعوة مغفول عنها ( التطفيل 84 - 86 ) . من أقوال بنان : التمكن على المائدة خير من ثلاثة ألوان ، السميذ الأبيض ، أحلى من السميذ الأصفر ( التطفيل ص 80 ) ، وكان يقول : لا تنادم حائكا ، ولا حجاما ، ولا خياطا ، ولا مكاريا ، ولا دلالا ، واصحب بزازا ، أو عطارا ، أو صيرفيا ، أو انما طيا ، أو قطانا ، أو دقاقا ، أو صيدليا ، انظر تفصيل هذه الوصية في كتاب التطفيل للخطيب ص 82 - 84 ، وراجع في كتاب التطفيل أيضا ، وصاياه في الحضور في الوليمة ص 84 ، وفي تخير المواضع ص 86 ، ونصائحه فيما يتعلق بصنوف الأطعمة ص 86 ، وفي الصحيفة 94 وما بعدها تجد مجموعة من أخباره .