تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فلما ترعرع ، ضمّه أبوه إليه ، وأشركه في أمره ، وكان إذا سافر أخرجه معه ، لقلَّة صبره عنه . فقال له أبوه يوما : يا بنيّ ، قد كبرت سنّي ، وكنت أرجوك لمثل هذا اليوم ، ولي إلى عمك حاجة ، فأحب أن تشخص فيها . فقال له إياس : نعم يا أبة ، ونعم عين وكرامة ، فإذا شئت ، أخبرني بحاجتك ، فأعلمه الحاجة ، فخرج متوجّها حتى أتى عمّه ، فعظم سروره به ، وسأله عن سبب قدومه ، وما الحاجة ، فأخبره بها ، ووعده بقضائها ، فأقام عند عمّه أياما ينتظر فيها قضاء الحاجة . وكان لعمّه بنت يقال لها صفوة ، ذات جمال وعقل ، فبينا هو ذات يوم جالس بفناء دارهم ، إذ بدت له صفوة ، زائرة بعض أخواتها ، وهي تهادى بين جوار لها ، فنظر لها أياس نظرة ، أورثت قلبه حسرة ، وظل نهاره ساهيا ، وبات وقد اعتكرت عليه الأحزان ، ينتظر الصباح ، يرجو أن يكون فيه النجاح . فلما بدا له الصباح ، خرج في طلبها ينتظر رجوعها ، فلم يلبث أن بدت له ، فلما نظرت إليه تنكَّرت ، ثم مضت فأسرعت ، فمرّ يسعى خلفها ، يأمل منها نظرة ، فلم يصل إليها ، وفاتته ، فانصرف إلى منزله ، وقد تضاعف عليه الحزن ، واشتد الوجد . فلبث أياما ، وهو على حاله ، إلى أن أعقبه ذلك مرضا أضناه ، وأنحل جسمه ، وظلّ صريعا على الفراش . فلما طال به سقمه ، وتخوّف على نفسه ، بعث إلى عمه لينظر إليه ، ويوصيه بما يريد ، فلما رآه عمّه ، ونظر إلى ما به ، سبقته العبرة إشفاقا عليه . فقال له إياس : كفّ ، جعلت فداك يا عمّ ، فقد أقرحت قلبي ، فكفّ عن بعض بكائه ، فشكا إليه إياس ما يجد من العلَّة ، فقال له :