قال : فوثب قائما ، ثم أنشأ يقول :
لأقلّ من هذا وفيه لذي الهوى
شفاء وقد يسلو الفتى جدّ وامق
إذا اليأس حلّ القلب لم ينفع البكا
وهل ينفع المعشوق دمعة عاشق
قال : ومضى ، فقمت خلفه ، فقلت لأهله ، لا يتبعني أحد منكم ، وتبعته ، حتى أتى نزل رجل من أهل الفضل والرأي والدين ، وكانت له ابنة من أجمل النساء ، فوقف على الباب ، فقال :
فها أنذا قد جئت أشكو صبابتي
وأخبركم عمّا لقيت من الحبّ
وأظهر تسليما عليكم لتعلموا
بأنّي وصول ثم ذا منكم حسبي
قال : فلما فهمت القصة ، وخشيت أن يلحظني أحد ، أو يراه بعض من يعرفه ، أو يفهم قصّته ، خرجت عليه .
فقلت : ما جلوسك على باب القوم ، ولم يأذنوا لك ؟ قال : بلى .
فقلت : كيف ، وهم يقولون :
باللَّه ربّك لا تمرّ ببابنا
إنّا نخاف مقالة الحسّاد
ودع التعتّب والتذكَّر إنّه
يرويه عنك أجلَّة العوّاد
قال : يا صالح ، وقد قالوا هذا ؟ قلت : نعم .
فجعل يهذي ، ويقول :
إن كان قد كرهوا زيارة عاشق
فلربّ معشوق يزور العاشقا
فلما رجعت ، سألوني عن قصته ، فقلت ؛ ما أخطأ الجبّان « 1 » .
ولزم بيته ، فلم يزل زائل العقل ، حتى مات .
ذم الهوى 542
هامش
« 1 » كذا في الأصل .