واستخبر بذلك أهل عسكر الخائن ، وكانوا يصيحون بنا في كلّ يوم :
ملَّحوه ، أي : قد مات الموفّق ، فاجعلوه مكسودا « 1 » .
فأجمع رأي الطبّ على بطَّه ، فلم يمكَّنهم الموفّق من ذلك .
فقالوا للمعتضد : إنّه إن لم يبطَّ ، عمل إلى داخل ، فأتلفه .
فقال : احتالوا عليه وبطَّوه ، وأنا أمنعكم منه « 2 » .
فطوّل أحد الطب ، ظفر إبهامه اليمين ، وجعل تحته حديدة مبضع ، وجاء إلى الموفّق ، فقال : أيّها الأمير ، دعني أجسّه ، وأنظر كيف هو .
فقال : لعلَّك تبطَّه ؟
فأراه يده ، وقال : كيف أبطَّه ، وليس في يدي حديد ، فمكَّنه منه ، فجسّه وخرقه بالمبضع من أوّله إلى آخره مستعجلا ، فندر الزجّ وخرج ، وتبعته مدّة عظيمة وقيح .
ففزع الموفّق في حال البطَّ ، لمجيئه على غفلة ، فلكم « 3 » الطبيب ، فقلبه عن مكانه ، فلمّا استراح بما خرج من الموضع ، ووجد خفّة ، خلع على الطبيب ، وأجازه ، وعولج إلى أن برئ .
وجعل أبو العباس وكده « 4 » طلب قرطاس ، وكان إذا رآه في الحرب ، طرح نفسه لأخذه ، فيحاربه قرطاس أشدّ حرب ، ويقول له بعجمته :
« يا بلئباس ، يريد يا أبا العبّاس ، إن وقعت في يدك ، قدّ مني أوتارا » .
قال : فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره ، حتى أخذه أسيرا ، وقد
هامش
« 1 » المكسود : اللحم يطبق بالملح ويحفظ لاستعماله في الشتاء ، وهذه الكلمة لم تزل مستعملة في الموصل وفي شمال العراق . إذ إن الناس في وسط العراق وجنوبه لا يحفظون اللحم .
« 2 » في ب وط : امنعه منكم .
« 3 » في ط : فلطم .
« 4 » الوكد : السعي والجهد .