فلما حصل بحيث لا يراه أحد غيري وقف والتفت إلي فقال : هات ما معك فناولته الرقعة ،
فقال من غير أن ينظر فيها : قل له لا خوف عليك في هذه العلة ، ويكون ما لا بد منه بعد
ثلاثين سنة . قال : فوقع علي الزمع حتى لم أطق حراكا وتركني وانصرف .
قال أبو القاسم : فأعلمني بهذه الجملة فلما كانت سنة سبع وستين اعتل أبو القاسم ،
فأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره ، وكتب وصيته واستعمل الجد في ذلك فقيل
له : ما هذا الخوف ونرجو أن يتفضل الله بالسلامة فما عليك مخوفة ، فقال : هذه السنة التي
وعدت وخوفت منها فمات في علته ( 1 ) .
( المعجزة الثالثة ) في البحار عن أبي محمد عيسى بن مهدي الجوهري قال : خرجت في
سنة ثمان وستين ومائتين إلى الحج ، وكان قصدي المدينة حيث صح عندنا أن صاحب
الزمان ( عج ) قد ظهر ، فاعتللت وقد خرجنا من فيل ( 2 ) فتعلقت نفسي بشهوة السمك والتمر ،
فلما وردت المدينة ولقيت بها إخواننا وبشروني بظهوره بصابر فصرت إلى صابر فلما
أشرفت على الوادي رأيت عنيزات عجافا ، فدخلت القصر فوقفت أرقب الأمر إلى أن
صليت العشاءين وأنا أدعو وأتضرع وأسأل ، فإذا أنا ببدر الخادم يصيح بي : يا عيسى بن
مهدي الجوهري أدخل ، فكبرت وهللت وأكثرت من حمد الله عز وجل والثناء عليه ، فلما
صرت في صحن القصر رأيت مائدة منصوبة ، فمر بي الخادم إليها فأجلسني عليها وقال لي :
مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك وأنت خارج من فيل . فقلت : حسبي بهذا برهانا
فكيف آكل ولم أر سيدي ومولاي ؟
فصاح : يا عيسى كل من طعامك فإنك تراني فجلست على المائدة فإذا عليها سمك حار
يفور وتمر إلى جانبه أشبه التمور بتمرنا ، وبجانب التمر لبن فقلت في نفسي عليل وسمك
وتمر ولبن فصاح بي : يا عيسى أتشك في أمرنا فأنت أعلم بما ينفعك ويضرك ؟ فبكيت
واستغفرت الله تعالى وأكلت من الجميع ، وكلما رفعت يدي منه لم يتبين موضعها فيه
فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا فأكلت منه كثيرا حتى استحييت ، فصاح بي لا تستحي يا
عيسى فإنه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق ، وأكلت فرأيت نفسي لا تنتهي عنه من أكله
هامش
1 - كشف الغمة : 2 / 502 باب 25 والخرائج : 477 .
2 - في البحار والهداية وإثبات الهداة : فيد ، وهي قلعة في طريق مكة ، وفيل هو باب في مسجد الكوفة .