الفصل الأول
في إثبات العلية والمعلولية وأنهما في الوجود
قد تقدم ( 1 ) أن الماهية في حد ذاتها لا موجودة ولا معدومة ، فهي متساوية
النسبة إلى الوجود والعدم ، فهي في رجحان أحد الجانبين لها محتاجة إلى غيرها
الخارج من ذاتها ، وأما ترجح أحد الجانبين لا لمرجح من ذاتها ولا من غيرها
فالعقل الصريح يحيله .
وعرفت سابقا ( 2 ) أن القول بحاجتها في عدمها إلى غيرها نوع من التجوز ،
حقيقته أن ارتفاع الغير - الذي يحتاج إليه في وجودها - لا ينفك عن ارتفاع
وجودها ، لمكان توقف وجودها على وجوده ، ومن المعلوم أن هذا التوقف على
وجود الغير ، لأن المعدوم لا شيئية له .
فهذا الوجود المتوقف عليه نسميه : ( علة ) ، والشئ الذي يتوقف على العلة
( معلولا ) له ( 3 ) .
هامش
( 1 ) راجع الفصل الأول من المرحلة الخامسة .
( 2 ) راجع الفصل الرابع من المرحلة الأولى .
( 3 ) اعلم أن عبارات الحكماء والمتكلمين في تعريف العلة والمعلول مختلفة . قال الشيخ الرئيس في رسالة الحدود : ( إن العلة هي كل ذات يلزم منه أن يكون وجود
ذات أخرى إنما هو بالفعل من وجود هذا بالفعل ، ووجود هذا بالفعل من وجود ذلك بالفعل ) ،
راجع رسائل ابن سينا ص 117 .
وقال في عيون الحكمة : ( السبب هو كل ما يتعلق به وجود الشئ من غير أن يكون ذلك
الشئ داخلا في وجوده أو محققا به وجوده ) .
وناقش فيهما فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة ج 3 ص 45 .
وقال المحقق الطوسي : ( كل شئ يصدر عنه أمر إما بالاستقلال أو بالانضمام فإنه علة
لذلك الأمر والأمر معلول له ) . راجع كشف المراد ص 114 . وأورد عليه القوشجي في
شرحه للتجريد ص 112 ، ثم قال : ( فالصواب أن يقال : العلة ما يحتاج إليه أمر في وجوده ) .
ولهم في كتبهم عبارات شتى غير ما ذكر في تعريف العلة والمعلول ، فراجع شرح
المنظومة ص 117 ، والأسفار ج 2 ص 127 ، وحكمة الاشراق ص 62 ، وشرح المقاصد ج 1
ص 152 ، وشرح المواقف ص 168 .