ذكروا - وهو الحق - أن النفس الإنسانية العقلية مادة للمعقولات المجردة ، وهي
مجردة كلما تعقلت معقولا صارت هي هو .
فإنا نقول : خروج النفس المجردة من القوة إلى الفعل باتحادها بعقل بعد عقل
ليس من باب الحركة المعروفة التي هي كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة ،
وإلا استلزم قوة واستعدادا وتغيرا وزمانا ، وكل ذلك ينافي التجرد الذي هو الفعلية
التامة العارية من القوة .
بل المراد بكون النفس مادة للصور المعقولة اشتداد وجودها المجرد من غير
تغير وزمان باتحادها بالمرتبة العقلية التي فوق مرتبة وجودها بإضافة المرتبة
العالية ، وهي الشرط في إفاضة المرتبة التي هي فوق ما فوقها .
وبالجملة مادية النفس للصور المجردة المعقولة غير المادية بالمعنى الذي في
عالم الأجسام نوعا ، وناهيك في ذلك عدم وجود خواص المادة الجسمانية هناك .
لا يقال ( 1 ) : الحجة منقوضة بنفس المادة ، فإنها في نفسها جوهر موجود بالفعل
ولها قوة قبول الأشياء ، فيلزم تركبها من صورة تكون بها بالفعل ومادة تكون بها
بالقوة ، وننقل الكلام إلى مادة المادة وهلم جرا فيتسلسل ، وبذلك يتبين أن
الاشتمال على القوة والفعل لا يستلزم تركبا في الجسم .
لأنه يقال - كما أجاب عنه الشيخ ( 2 ) - : إن المادة متضمنة للقوة والفعل ، لكن
قوتها عين فعليتها وفعليتها عين قوتها ، فهي في ذاتها محض قوة الأشياء ، لا فعلية
هامش
( 1 ) وهذا الاعتراض أيضا مما نقله صدر المتألهين عن لسان بعض شيعة الأقدمين في شرحه
للهداية الأثيرية ص 46 . وتعرض له أيضا في الأسفار ج 5 ص 116 ، وتعليقاته على شرح
حكمة الاشراق ص 218 . وكذا تعرض له الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الثانية
من إلهيات الشفاء ، والفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 2 ص 44 .
( 2 ) راجع الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء ، حيث قال : ( فنقول : إن جوهر
الهيولي وكونها بالفعل هيولى ليس شيئا آخر إلا أنه جوهر مستعد لكذا . . . ) وراجع الأسفار
ج 5 ص 116 ، وشرح الهداية الأثيرية لصدر المتألهين ص 47 ، وتعليقاته على شرح حكمة
الاشراق ص 218 .