تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
وفيها في ذي الحجة توفى الأمير سيف الدين بلبان الجوكان [ 1 ] دار المنصوري نائب السلطنة بحمص - رحمه الله تعالى - وهو من المماليك السلطانية في زمن إمرة السّلطان الملك المنصور ، وكان رجلا جيّدا أمينا ثقة ما رأيت في أبناء جنسه ممن اختبرته في الأمانة والعفة مثله ، رافقته مدّة في ديوان الخاص بدمشق واطَّلعت منه على أمانة غزيرة ، ونزاهة وافرة ومعرفة تامة وكان يوم ذاك ينوب عن السلطنة بقلعة دمشق وفوض إليه السلطان شد ديوان أملاكه بالشام ، وكتبت يومئذ مباشرها ، وذلك في شوال سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن نقل إلى نيابة السلطنة بحمص فاطلعت من أمانته ونزاهته ومعرفته على ما أشرت إليه ، وكان قد اشتهر عنه في مباشرة شدّ الدواوين عدم المعرفة والغفلة والبلادة ، فلما رافقته ظهر لي منه معرفة تامة ، وخبرة واطلاع ينافي ما كان قد اشتهر عنه ، فسايرته يوما وانفردت بمسايرته ، وجرى بنا الحديث فسألته عن ذلك ، وعرّفته ما ظهر لي منه وما كان قد اشتهر عنه ، فتبسّم وقال : والله ما لمح أحد من أمرى ما لمحته ، وما سألني أحد عنه قبلك ، وأنا أخبرك عن ذلك ، وهو أنني والله ما ولَّيت للسلطان ولاية قطَّ وأنا راض بها ، وشرع يذكر لي ولايته وتنقلاته من الجندية وما بعدها ، ثم قال : ولما نقلت من نيابة قلعة صفد إلى دمشق ووليت شاد الدواوين وأستاذ دارية كرهت ذلك أشدّ كراهة واستعفيت منه فلم أعف ، والله كان إذا أحضرت إلىّ النفقة المقررة لي على بيت المال عن وظيفة الشد . وهى في كل يوم خمسة وسبعون درهما - ووضعت بين يدي يخيّل لي أنها عقارب تلدغني ولقد والله كنت أعرض على نفسي أنواع البلاء والعاهات ، وولاية الشد [ 42 ] فيسهل على أن ابتلى ببعض العاهات ولا أكون مشدّا ، إلا العمى فإني كنت أستصعبه وأختار الشد عليه ، وأما لو خيرت أن يبطل إحدى يدي أو رجلىّ أو عينىّ تزول إحدهما وأبصر بالأخرى وأعفى من الشد لا خترت ذلك ، ورضيته على الشد فقصدت إظهار عدم المعرفة والتغافل عن المهمات والمصالح حتى شاع ذلك عنى واتصل بأبواب السلطنة ورجوت بذلك الخلاص من وظيفة الشد ، فلم يجد ذلك لي نفعا ولا عزلت ، ففكرت بعض
هامش
[ 1 ] كذا رسم الكلمة من الأصول . وترسم أيضا « الجوكندار » وانظر الدليل الشافي 1 : 198 .