تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
كن على منهاج معرفة إنّ وجه المرء حاجبه فبه تبدو محاسنه وبه تبدو معايبه
وقف عبد اللَّه بن العباس بن الحسين العلوىّ على باب المأمون يوما ، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق ؛ فقال عبد اللَّه لقوم معه : إنه لو أذن لنا لدخلنا ، ولو صرفنا لانصرفنا ، ولو اعتذر إلينا لقبلنا ، فأمّا الفترة بعد النّظرة ، والتوقّف بعد التعرّف ، فلا أفهمه ، ثم تمثّل :
وما عن رضا كان الحمار مطيّتى ولكنّ من يمشى سيرضى بما ركب
وانصرف ؛ فبلغ المأمون كلامه ، فصرف الحاجب وأمر لعبد اللَّه بصلة جزيلة وعشر دوابّ . وحجب بعض الهاشميّين فرجع مغضبا فردّ فلم يرجع ، وقال : ليس بعد الحجاب إلا العذاب ، لأن اللَّه تعالى يقول : * ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ) * .

ذكر ما قيل في النهى عن شدّة الحجاب

قيل : لا شئ أضيع للمملكة وأهلك للرعيّة من شدّة الحجاب ، لأنّ الرعيّة إذا وثقت بسهولة الحجاب أحجمت عن الظلم ، وإذا وثقت بصعوبته هجمت على الظلم . وهذا مخالف لوصيّة زياد لابنه : عليك بالحجاب ، فإنّما تجرّأت الرّعاة على السّباع لكثرة نظرها إليها . قال سعيد بن المسيّب : نعم الرجل عبد العزيز لولا حجابه ! وعن علىّ رضى اللَّه عنه : إنما أمهل فرعون مع دعواه ما ادّعاه لسهولة إذنه وبذل طعامه . وقال ميمون بن مهران : كنت عند عمر بن عبد العزيز ، فقال لابنه : من بالباب ؟ فقال : رجل أناخ الآن يزعم أنه ابن بلال مؤذّن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : من ولى شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه اللَّه يوم القيامة ؛ فقال لحاجبه : الزم بيتك . فما رئى على بابه بعده حاجب .