وقالت الحكماء : يجب على الملك أن يتلبّس بثلاث خصال : تأخيره العقوبة في سلطان الغضب ، وتعجيل مكافأة المحسن ، والعمل بالأناة فيما يحدث ؛ فإن له في تأخير العقوبة إمكانا ، وفى تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة في الطاعة من الرعية ، وفى الأناة انفساح الرأي وإيضاح الصواب .
وقالوا : ينبغي للملك أن يأنف أن يكون في رعيّته من هو أفضل منه دينا ، كما يأنف من أن يكون منهم من هو أنفذ منه أمرا .
وقيل : لا ينبغي للملك أن يسرع إلى حبس من يكتفى له بالجفاء والوعيد .
وقالوا : ينبغي للملك أن تعرفه رعيّته بالأمانة ، ولا يعجّل بالعقاب ولا بالثواب ، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الراجي .
وقال بعض حكماء الفرس : أحزم الملوك من غلب جدّه هزله ، وقهر رأيه هواه ، وعبّر عن ضميره فعله ، ولم يخدعه رضاه عن حظَّه ، ولا غضبه عن كيده .
الباب الثاني من القسم الخامس من الفن الثاني في صفات الملك وأخلاقه وما يفضّل به على غيره
، وذكر ما نقل من أقوال الخلفاء والملوك الدالَّة على علوّ هممهم وكرم شميهم
قال أحمد بن محمد بن عبد ربّه : السلطان زمام الأمور ، ونظام الحقوق ، وقوام الحدود ، والقطب الذي عليه مدار الدّين والدنيا ؛ وهو حمى اللَّه في بلاده ، وظلَّه الممدود على عباده ، به يمنع حريمهم ، وينصر مظلومهم ، ويقمع ظالمهم ، ويؤمّن خائفهم .