تأخذ أنت الجائزة وأحصل أنا على الإثم ! فخلفت أنى إن أخذت بشعره فائدة جعلت له فيها حظَّا ، وأذكرت به الخليفة وسألته فيه . فقال : أمّا الحظَّ من جهتك فأنت أنذل من ذلك ، ولكن عسى أن تفلح في مسئلة الخليفة ؛ وأنشدني :
تقول سلا ، فمن المدنف
ومن عينه أبدا تذرف !
ومن قلبه قلق خافق
عليك وأحشاؤه ترجف !
فلما جلس المأمون للشرب دعاني ، وكان قد غضب على حظَّية له ، فحضرت مع المغنّين . فلما طابت نفسه وجّهت إليه بتفّاحة من عنبر عليها مكتوب بالذهب :
« يا سيّدى سلوت » ، وما علم اللَّه أنى عرفت شيئا من خبرهما . وانتهى الدّور إلىّ فغنيّت البيتين ؛ فاحمرّ وجه المأمون وانقلبت عيناه وقال : يا بن الفاعلة ، لك علىّ وعلى حرمي صاحب خبر ! فوثبت وقلت : يا سيّدى ، ما السبب ؟ قال : من أين عرفت قصّتى مع جاريتي حتى غنيّت في معنى ما بيننا ؟ فحلفت أنى لم أعرف شيئا من ذلك ، وحدّثته بحديثى مع خالد ، فلما انتهيت إلى قوله : « أنت أنذل من ذلك » ضحك وقال : صدق ، وعجب من هذا الاتّفاق ؛ وأمر لي بخمسة آلاف درهم ولخالد بمثلها .
وروى عنه أيضا قال : دخلت على المأمون في يوم الشعانين [ 1 ] وبين يديه عشرون وصيفة جلب روميّات مزنّرات قد تزيّنّ بالديباج الرومىّ ، وعلَّقن في أعناقهن صلبانا من الذهب ، وفى أيديهن الخلوص والزيتون . فقال لي المأمون : ويلك يا أحمد ! قد قلت في هؤلاء أبياتا فغنّ بها ، ثم أنشدني :
هامش
[ 1 ] الشعانين : عيد من أعياد النصارى ويسمى : « الزيتونة » يعملونه في سابع أحد من صومهم .
ومعنى الشعانين : التسبيح .