تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
وروى الأصفهانىّ بسند رفعه إلى ابن كناسة قال : اصطحب شيخ مع شابّ في سفينة في الفرات ومعهم مغنّية . فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ : معنا جارية وهى تغنّى ، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك ، فإن أذنت فعلنا . فقال : أنا أصعد على أطلال « 1 » السفينة ، فاصنعوا أنتم ما شئتم ؛ فصعد وأخذت المغنّية عودها وغنّت :
حتى إذا الصبح بدا ضوءه وغابت الجوزاء والمرزم أقبلت والوطء خفىّ كما ينساب « 2 » من مكمنه الأرقم
فطرب الشيخ وصاح ، ثم رمى بنفسه وبثيابه في الفرات وجعل يغوص ويطفو ويقول : أنا الأرقم أنا الأرقم ! فألقوا أنفسهم خلفه ، فبعد لأي ما استخرجوه ، وقالوا : يا شيخ ، ما حملك على ما فعلت ؟ فقال : إليكم عنّى ، فإني أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون . فقالوا له : ما أصابك ؟ قال : دبّ من قدمي شئ إلى رأسي كدبيب النّمل ونزل من رأسي مثله ، فلما اجتمعا على قلبي عملت ما عملت . وقال أحمد بن أبي داود : كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله ؛ فخرج المعتصم يوما إلى الشّمّاسيّة في حرّاقة ، ووجّه في طلبي فصرت إليه . فلما قربت منه سمعت غناء حيّرنى وشغلني عن كلّ شئ ، فسقط سوطى عن يدي ، فالتفتّ إلى غلامي أطلب منه سوطا ؛ فقال لي : قد واللَّه سقط منّى سوطى . فقلت له : أىّ شئ كان سبب سقوطه ؟ قال : صوت سمعته فحيّرنى ، فما علمت كيف سقط ، فإذا قصّته قصّتى . قال : وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفزّ الناس منه
هامش
« 1 » في الأصل : « في ظلال السفينة » والتصويب عن الأغانى ( ج 4 ص 418 طبع دار الكتب المصرية ) والأطلال : جمع طلل ، وطلل السفينة : شراعها . « 2 » كذا في الأغانى ( ج 8 ص 171 طبع بولاق ) وفي الأصل : « في » .