وكانت قرطبة مدينتين : إحداهما الشرقية والأخرى المدينة العظمى ،
فقامت الصيحة والناس في صلاة الفجر ، فركب الجند وقالوا للوالي : اخرج
بنا للملتقى ، فقال : اصبروا حتى يضحي النهار ، فلما أضحى ركب وخرج
معهم ، فلما أشرف على الفرنج قال : ارجعوا حتى ألبس سلاحي ! فرجع بهم وهم
يصدقونه ، وذا أمر قد دبر بليل ، فدخل الفرنج على أثرهم ، وانتشروا ، وهرب
الناس إلى البلد ، وقتل خلق من الشيوخ والولدان والنسوان ، ونهب للناس ما
لا يحصى ، وانحصرت المدينة العظمى بالخلق فحاصرهم الفرنج شهورا ،
وقاتلوهم أشد القتال ، وعدم أهلها الأقوات ، ومات خلق كثير جوعا ، ثم
اتفق رأيهم مع أدفونش - لعنه الله - على أن يسلموها ويخرجوا بأمتعتهم كلها ،
ففعل ، ووفى لهم ووصلهم إلى مأمنهم في سنة أربع وثلاثين وست مئة .
قلت : ولم يمتع بعدها ابن هود بل أخذه الله في سنة خمس فكانت
دولته تسعة أعوام وتسعة أشهر وتسعة أيام ، وهلك بالمرية جهز عليه من غمه
وهو نائم ، وحمل إلى مرسية فدفن هناك ، ولم يمت حتى قوي أمر الموحدين
وقام بعده محمد بن يوسف بن نصر ابن الأحمر ، ودام الملك في ذريته .
وقدم علينا دمشق ابن أخيه الزاهد الكبير بدر الدين بن هود ، ورأيته ،
وكان فلسفي التصوف يشرب الخمر أخذه الأعوان مخمورا ( 1 ) !
15 - الرعيني *
الإمام المحدث المتقن الرحال أبو موسى عيسى بن سليمان الرعيني
الأندلسي الرندي .
هامش
( 1 ) هذا الفاسد من صلب ذاك الفاسد الذي باع المسلمين بثمن بخس فإنا لله وإنا إليه
راجعون ، فأي تصوف هذا ؟ !
* التكملة لابن الأبار : 3 / الورقة : 84 ، وتاريخ الاسلام ، الورقة : 126 ( أيا صوفيا
3012 ) ، وشذرات الذهب : 5 / 156 .