وما علمت أنه حج .
حدث عنه أبو منصور محمد بن أسعد العطاري عرف بحفدة ، وأبو
الفتوح محمد بن محمد الطائي ، وجماعة ، وآخر من روى عنه بالإجازة
أبو المكارم فضل الله بن محمد النوقاني ، الذي عاش إلى سنة ست
مئة ، وأجاز لشيخنا الفخر بن علي البخاري ( 1 ) .
وكان البغوي يلقب بمحيي السنة وبركن الدين ، وكان سيدا إماما ،
عالما علامة ، زاهدا قانعا باليسير ، كان يأكل الخبز وحده ، فعذل في
ذلك فصار يأتدم بزيت ، وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها ، بورك له في
تصانيفه ، ورزق فيها القبول التام ، لحسن قصده ، وصدق نيته ، وتنافس
العلماء في تحصيلها ، وكان لا يلفي الدرس إلا على طهارة ، وكان
مقتصدا في لباسه ، له ثوب خام ، وعمامة صغيرة على منهاج السلف
حالا وعقدا ، وله القدم الراسخ في التفسير ، والباع المديد في الفقه ( 2 ) ،
رحمه الله .
هامش
( 1 ) هو علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد الامام العابد مسند العصر فخر الدين
أبو الحسن المقدسي الصالحاني الحنبلي ، ترجم له المؤلف في " مشيخته " : الورقة :
94 ، وأرخ وفاته سنة 690 ه .
( 2 ) البغوي رحمه الله نشأ شافعي المذهب بحكم البيئة التي عاش فيها والعلماء الذين
التقى بهم ، وأخذ عنهم ، وكانت له يد مشكورة في المذهب الشافعي ، فقد ألف فيه كتابه
" التهذيب " نحى فيه منحى أهل الترجيح والاختيار والتصحيح إلا أنه رحمه الله لم يكن
يتعصب لامامه ، ولا يندد بغيره ، بل كان ينظر في جميع المذاهب وآراء الأئمة ، ويطلع على
حججهم ودلائلهم ، ويأخذ غالبا في كل باب ما يراه أبلغ في الحجة ، وأوفق للنصح على أنه
حين استوت له المعرفة ، وبلغ مرحلة النضج ، كان يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة
اللذين هما أصل الدين ، وملاكه ، وإليهما المرجع في المسائل الشرعية ، ويؤلف في نشر
علومهما ، وبث معارفهما ، وإحياء مآثرهما التآليف النافعة الماتعة حتى استحق بحق لقب
" محيي السنة " من أهل عصره وممن جاء بعده .