فقدم إنسان من سرنديب يتكلم على المستقبلات ، فسألنا عن حالنا ، وبشرنا
بأمور لم تخرم ، واشتريت جارية هندية ، وجئنا عدن ، فقلت لوزيري :
امض إلى زبيد ، فأشع موتي ، واكشف الأمور ، وصعدت جبلة ( 1 ) ،
وكشفت أحوال المكرم ، ثم أتيت زبيد ، فخبرني الوزير بما يسر عن أوليائنا ،
وأنهم كثير ، فأخذت من لحيتي ، وسترت عيني بخرقة ، وطولت أظفاري ،
وقصدت دار ابن ألقم الوزير فأسمعه يقول : لو وجدت كلبا من آل نجاح
لملكته ، وذلك لشر وقع بينه وبين ابن شهاب رفيقه ، فخرج ولد ابن ألقم ،
فقال : يا هندي ، تحسن الشطرنج ؟ قلت : نعم ، قال : فغلبته ، فثار ،
وكان طبقة أهل زبيد ، فقال له أبوه : ما لنا من يغلبك إلا جياش ، وقد مات ،
ثم لعبت مع الأب ، فمنعت الدست ، فأحبني وخلطني بنفسه ، وهو يقول
كل وقت : عجل الله علينا بكم يا آل نجاح ، فأخذت أكاتب الحبوش حتى حصل
حول زبيد خمسة آلاف حربة ، وأمرت وزيري ، فأخذ لي عشرة آلاف دينار مودعة ،
فأنفقتها فيهم ، وضرب ولد ابن ألقم عبدا له ، فنالني طرف سوطه ، فقلت :
أنا أبو الطامي ، فقال أبوه : ما اسمك ؟ قلت : بحر ، قال : كنية مناسبة .
وقال مرة لابنه : إن غلبت الهندي ، أوفدتك بارتفاع السنة على
المكرم . قال : فتراخيت له ، فغلبني ، فطاش فرحا ، ومد يده إلى وجهي ،
فأحفظني ، وقمت ، فعثرت ، فاعتزيت ( 2 ) ، وقلت : أنا جياش بن نجاح ،
هامش
( 1 ) بكسر الجيم وسكون الباء : مدينة باليمن تحت جبل صبر ، وتسمى ذات
النهرين ، وهي من أحسن مدن اليمن وأنزهها وأطيبها .
( 2 ) أي : انتسبت ، يقال : عزا فلان نفسه إلى بني فلان يعزوها عزوا ، وعزا واعتزى
وتعزى كله : انتسب صدقا كان أو كذبا ، وانتمى إليهم ، وفي الحديث الصحيح المخرج في
" المسند " : 5 / 136 : " من تعزى بعزاء الجاهلية ، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " أي :
انتسب وانتمى ، فقد كانوا في الجاهلية يقولون في الاستغاثة : يا لفلان ، وينادي : أنا فلان
ابن فلان ينتمي إلى أبيه وجده لشرفه وعزه ونحو ذلك ، فمعنى الحديث : قبحوا عليه فعله ،
وقولوا : اعضض بهن أبيك ، فإن من القبح مثل هذه الدعوى .