فبنعمة الله ، وإن قتلت فملكشاه ولي عهدي . فوقعت طلائعه على طلائعهم ،
فانكسر العدو ، وأسر مقدمهم ، فلما التقى الجمعان ، بعث السلطان يطلب
الهدنة ، فقال أرمانوس : لا هدنة إلا ببذل الري . فانزعج السلطان ، فقال له
إمامه أبو نصر ( 1 ) : إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على الأديان ،
فأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح ، والقهم يوم الجمعة والساعة
يكون الخطباء على المنابر يدعون للمجاهدين ، فصلى به ، وبكى السلطان ،
وبكى الناس ، ودعا ، وأمنوا ، وقال : من أراد أن ينصرف فلينصرف ، فما ثم
سلطان يأمر ولا ينهى ، ورمى القوس ، وسل السيف ، وعقد بيده ذنب فرسه ،
وفعل الجند كذلك ، ولبس البياض ، وتحنط ، وقال : إن قتلت فهذا كفني .
ثم حمل ، فلما لاطخ العدو ، ترجل ، وعفر وجهه في التراب ، وأكثر
التضرع ، ثم ركب ، وحصل المسلمون في الوسط ، فقتلوا في الروم كيف
شاؤوا ، ونزل النصر ، وتطايرت الرؤوس ، وأسر ملك الروم ، وأحضر بين
يدي السلطان ، فضربه بالمقرعة ، وقال : ألم أسألك الهدنة ؟ قال : لا
توبخ ، وافعل ما تريد . قال : ما كنت تفعل لو أسرتني ؟ قال : أفعل القبيح .
قال : فما تظن بي ؟ قال : تقتلني أو تشهرني في بلادك ، والثالثة بعيدة ، أن
تعفو ، وتأخذ الأموال . قال : ما عزمت على غيرها . ففك نفسه بألف ألف
دينار وخمس مئة ألف دينار وبكل أسير في مملكته ، فنزله في خيمة ، وخلع
عليه ، وبعث له عشرة آلاف دينار يتجهز بها ، وأطلق له عدة بطارقة ، وهادنه
خمسين سنة ، وشيعه ، وأما جيشه ، فملكوا ميخائيل . ومضى أرمانوس ،
فبلغه ذهاب ملكه ، فترهب ، ولبس الصوف ، وجمع ما قدر عليه من الذهب ،
فكان نحو ثلاث مئة ألف دينار ، فبعثها ، واعتذر .
هامش
( 1 ) في " الكامل " : أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي .