مع ذلك أختلف إلى الفقه ، وأناظر ولي ست عشرة سنة .
ثم قرأت جميع الفلسفة ، وكنت كلما أتحير في مسألة ، أو لم
أظفر بالحد الأوسط في قياس ، ترددت إلى الجامع ، وصليت ، وابتهلت
إلى مبدع الكل حتى فتح لي المنغلق منه ، وكنت أسهر ، فمهما غلبني
النوم ، شربت قدحا . إلى أن قال : حتى استحكم معي جميع العلوم ،
وقرأت الكتاب " ما بعد الطبيعة " ، فأشكل علي حتى أعدت قراءته أربعين
مرة ، فحفظته ولا أفهمه ، فأيست . ثم وقع لي مجلد لأبي نصر الفارابي في
أغراض كتاب " ما بعد الحكمة الطبيعية " ( 1 ) ، ففتح علي أغراض الكتب ،
ففرحت ، وتصدقت بشئ كثير .
واتفق لسلطان بخارى نوح مرض صعب ، فأحضرت مع الأطباء ،
وشاركتهم في مداواته ، فسألت إذنا في نظر خزانة كتبه ، فدخلت فإذا كتب لا
تحصى في كل فن ، فظفرت بفوائد . إلى أن قال : فلما بلغت ثمانية عشر
عاما ، فرغت من هذه العلوم كلها ، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ، ولكنه معي
اليوم أنضج ، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي شئ ، وصنفت
" المجموع " ، فأتيت فيه على علوم ، وسألني جارنا أبو بكر البرقي وكان
مائلا إلى الفقه والتفسير والزهد ، فصنفت له " الحاصل والمحصول " في
عشرين مجلدة ، ثم تقلدت شيئا من أعمال السلطان ، وكنت بزي الفقهاء إذ
ذاك ، بطيلسان محنك ، ثم انتقلت إلى نسا ، ثم أبا ورد ( 2 ) وطوس
هامش
( 1 ) في " طبقات الأطباء " و " الوافي بالوفيات " : " ما بعد الطبيعة " وهو الذي ذكره
المؤلف آنفا .
( 2 ) ويقال لها : أبيورد أيضا ، وهو الأشهر .