قال : وقد خرج على يديه تواقيع كثيرة : فلما مات أبو جعفر صارت
النيابة إلى حسين هذا ، فجلس في الدار ، وحف به الشيعة ، فخرج ذكاء
الخادم ، ومعه عكازة ، ومدرج ( 1 ) وحقة ، وقال له : إن مولانا قال : إذا دفنني
أبو القاسم حسين ، وجلس ، فسلم إليه هذا ، وإذا في الحق خواتيم
الأئمة . ثم قام ومعه طائفة فدخل دار أبي جعفر محمد بن علي
الشلمغاني ( 2 ) ، وكثرت غاشيته حتى كان الامراء والوزراء يركبون إليه
والأعيان ، وتواصف الناس عقله وفهمه .
فروى علي بن محمد الأيادي ، عن أبيه ، قال : شاهدته يوما ، وقد
دخل عليه أبو عمر القاضي ( 3 ) ، فقال له أبو القاسم : صواب الرأي عند
المشفق عبرة عند المتورط ، فلا يفعل القاضي ما عزم عليه ، فرأيت أبا عمر
قد نظر إليه ، ثم قال : من أين لك هذا ؟ فقال : إن كنت قلت لك ما عرفته ،
فمسألتي من أين لك ؟ فضول ، وإن كنت لم تعرفه ، فقد ظفرت بي . قال :
فقبض أبو عمر على يديه ، وقال : لا بل والله أؤخرك ليومي أو لغدي . فلما
خرج ، قال أبو القاسم : ما رأيت محجوجا قط يلقى البرهان بنفاق مثل هذا .
كاشفته بما لم أكاشف به غيره .
ولم يزل أبو القاسم وافر الحرمة إلى أن وزر حامد بن العباس ، فجرت
له معه خطوب يطول شرحها .
ثم سرد ابن أبي طي ترجمته في أوراق ، وكيف أخذ وسجن خمسة
هامش
( 1 ) مدرج : وهي الرقعة الملعونة كما في متن اللغة 2 / 396 .
( 2 ) نسبة إلى شلمغان . قرية من نواحي واسط . والشلمغاني هذا هو المعروف بابن أبي
العزاقر . صاحب المذهب المشهور في الحلول ، وقد قتل سنة / 322 / ه انظر " اللباب " :
2 / 27 ، و " الكامل " : 8 / 290 - 294 .
( 3 ) محمد بن يوسف . قاضي القضاة . كان يضرب المثل بعقله وحلمه . توفي سنة /
320 / ه . له ترجمة في " تاريخ بغداد " : 3 / 401 - 405 .