فقال : إن كل مولود يولد للدين ومن أجل الدين ، فما خلق الله
المكلفين إلا ليعبدوه ويشهد بذلك قوله تعالى : ( وما خلقنا الجن
والإنس إلا ليعبدون )
فاجتهاد سلمان في الدين خارق للعادة ما في ذلك شك . وهو
خارج على كل معروف ومألوف ، لأنه لا يتلقى دينه تلقينا ولا يرثه إرثا ،
بل يتبصر فيه ويتأمله تأملا مليا . وما ضر لو سكن أرضا بمنأى عن مهد
الإسلام وماج حوله ما ماج من حوادث ، وبذلك لم يشهد ما شهد غيره
من شدائد ولا كابد ما كابدوا من جهد ، وهو الذي ما كان ليرغب
بنفسه عما قاساه المسلمون الأولون وصاروا إليه .
ولا نرى وجها للغض من فضله بتفضيل غيره عليه في أمور لا رأي
له ولهم في توجيه مجراها ، لا سلطان لأحد عليها .
أما ألا يكون قوله حجة فحكم لا نميل إليه فليس من ينكر أن
سلمان في العلم أوحد زمانه ، ولا من ينسى أو يتناسى ما أجرى عليه
النبي ( ص ) من صفات ، ولا من يجحد أنه كان صاحب مشورة أهل
البيت ( ع ) ومن يرجع إليه في المشكلات .
وفي بداءة العقول أن من يتعصب لأحد يتعصب على من يضاده ،
ولكن لا بد من القصد والوقوف عند حد ، لأن مسخ الحقيقة عن عمد
يعكس الغرض من مسخها ، وواقع الأمر أنه يبديها ولا يخفيها .
ويتابع الجاحظ كلامه عن سلمان ليقول : إنه ولي على المدائن
لعمر مطيعا غير مكره ، وهذا من الدليل على تصويب أبي بكر ، لأن
مطيع عمر مذعن لأبي بكر ، ومعظمه أشد تعظيما لأبي بكر .
وهذا ما نتردد طويلا في فهمه ، ونحن لا ندرك من ولاية سلمان
على المدائن ما يدركه الجاحظ ، لأن سلمان إنما كان واليا لدولة
المسلمين لا لخليفتهم ، وأنجز ما أنجز من جلال الأعمال حبه ورغبة
منه في نفع المسلمين ، لا يرهبه سلطان ، فما جار عن القصد ولا انحرف
نشأة التشيع — صفحة 103
مساهمون: السيد طالب الخرسان
ص١٠٣