الله إذ وقفوا ، فاتبعوك فهدوا ، وكنت أخفضهم صوتا ، وأعلاهم قنوتا ( 2 ) ،
وأقلهم كلاما ، وأصوبهم نطقا ، وأكبرهم رأيا ، وأشجعهم قلبا ، وأشدهم
يقينا ، وأحسنهم عملا ، وأعرفهم بالأمور ، كنت والله يعسوب الدين أولا
وآخرا ، الأول حين تفرق الناس ، والاخر حين فشلوا ، كنت للمؤمنين أبا
رحيما ، إذ صاروا عليك عيالا ، فحملت أثقال ماعنه ضعفوا ، وحفظت ما
أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وشمرت إذا اجتمعوا ، وعلوت إذ هلعوا ( 3 ) ،
وصبرت إذ أسرعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا ،
كنت على الكافرين عذابا صبا ونهبا ، وللمؤمنين عمدا وحصنا ، فطرت والله
بنعمائها ، وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابقها ، وذهبت بفضائلها ، لم تفلل
حجتك ، ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ولم تخر ،
كنت كالجبل لا تحركه العواصف ، وكنت كما قال عليه السلام : آمن الناس
في صحبتك وذات يدك ، وكنت كما قال عليه السلام ( 4 ) : ضعيفا في بدنك ،
قويا في أمر الله ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند الله ، كبيرا في الأرض ،
جليلا عند المؤمن ، لم يكن لاحد فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ، ولا
لاحد فيك مطمع ، ولا لاحد عندك هوادة ، الضعيف الذليل عندك قوي
هامش
( 2 ) كذا في النسخة . وفى المختار 36 ، من خطب نهج البلاغة : وكنت
أخفضهم صوتا ، وأعلاهم فوتا ( الخ ) . وهو أظهر . والفوت السبق . ويقال :
قنت يقنت ( من باب نصر ) قنوتا ، أي أطاع وامسك عن الكلام . تواضع الله .
وفى بعض نسخ الكافي : وأعلاهم قدما ، وأطيبهم كلاما ، وأصوبهم منطقا .
( 3 ) أي استقللت بالامر حين جزع أصحاب النبي ( ص ) وفزعوا من
القيام بالامر ، كما في غزوة الأحزاب وغير واحد من مقامات أخر .
( 4 ) كأنه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، أي كما قلت عليك
السلام . وكثير من هذه الجمل مما قد وصف ( ع ) نفسه بها ، كما في المختار
ال ( 36 ) من خطب النهج .