فصل
( الباء ظهور الوجود والنقطة تميز للعابد والمعبود ) واعلم أن الفيض الأول عن حضرة الأحدية هي النقطة الواحدة ، وعنها ظهر ألف الغيب
( القلب خ ل ) وامتد حتى صار خطه ، وهو مركب من ثلاث نقط واحدة وواحدة وواحدة ،
فالواحدة لها العلم والعقل وروح القدس ، وحرفها الألف ، ومنها تبتدئ الموجودات وإليها تنتهي ،
والنقطة الواحدة وهي روح الله ونفخت فيه من روحي ، وحرفها الباء وهي الحجاب وهو ظاهرة
النقطة الواحدة وجسدها ، ولها الحكم الظاهر وحقيقتها النبوة وعنها ظهرت الموجودات وباطنها
النقطة الواحدة .
قال عليه السلام : عن الباء ظهر الوجود ، وبالنقطة تبين العابد عن المعبود ( 1 ) ، وقال
حكيم : بالباء عرفه العارفون ، وما من شئ إلا والباء مكتوبة عليه ( 2 ) ، فإذا قلت : ( الله ) ، فقد نطقت
بسائر الأسماء ، وإذا كتبت الألف فقد كتبت سائر الحروف ، وإذا نطقت بالواحد فقد ضمنت سائر
الأعداد ، وإذا قلت النقطة فقد حصرت سائر العوالم ، وإذا قلت النور فقد ضمنت الوجود من العدم ،
وإذا قلت نور النور فقد نطقت بالاسم الأعظم ، لمن كان يدري ويفهم ، إذ لاحظ للأصم من طيب
النغم ، ولا فرق عند الأكمه من الليل إذا أظلم ، والصبح إذا تبسم ، وقال العارف هذا :
ألف الحروف هو الحروف جميعها * والفاء دائرة عليه تطوف
وقال الآخر :
يا رب بالألف التي لم تعطف * وبنقطة هي سر كل الأحرف
وبقافها الجبل المحيط وصادها * البحر الذي بظهوره لا يختفي
ثبت علي هداي وأتمم نوره * يا من به أصبحت عني مكتفي
الثالث النقطة الواحدة وهي روح الأمر ، وعنها نور أن الوجود في عالم الصور ، وهي إشارة ظهور
الأفعال ، لأن الواحد الحق سبحانه يوجد الأشياء وليس فيها وإلا لكان محدودا ، ولا منها وإلا لكان
معدودا ، لكنه متجل فيها بنور جماله ، متخل عنها بكمال جلاله ، دان إليها بكبريائه ، قائم بها ، قيوم
عليها ، لأن الأحد الحق سبحانه لا يتجزى فيعد ، ولا يتكثر فيحد ، فالوحدة لازمة له
هامش
( 1 ) جامع الأسرار : 563 ح 1163 وشرح دعاء السحر : 64 وفيه تميز بدل تبين ونسبه إلى ابن عربي .
( 2 ) جامع الأسرار : 701 ونسبه لبعض العارفين بلفظ : ( ما رأيت شيئا إلا ورأيت . . . ) .