فصل
( آل محمد الاسم الأعظم ) ثم أقول له مرشدا إلى الصواب : ألم تعلم أنا إذا اعتبرنا الأسماء والصفات ، فإنا لا نجد أعظم من
ثلاثة أسماء : اسم الذات ، واسم الصفات ، واسم هو سر الذات وروح الصفات ، وهي الكلمة الجارية
في سائر الموجودات ، فهي سر الذات وسر الصفات وبها تنفعل الكائنات ، فاسم الله ا ل ه ا ل ه وهو
اسم المقدس وهو علم على ذات الأحد الحق ، واسم الصفات للأحد الواحد وهو محمد ، والاسم
الذي هو روح الصفات وسر الذات ع ل ي ، وهو نور النور ، وكل واحد من هذه الثلاثة اسم أعظم ،
فاسم الجلالة هو الاسم المقدس والمكرم ، واسم محمد صلى الله عليه وآله هو ظاهر الاسم الأعظم ، لأن الواحد
صورة الوجود ، ومنبع الموجود ، وظاهر المعدود .
واسم ع ل ي ظاهر الباطن وباطن الظاهر ، فهو الاسم الأعظم بالحقيقة ، لأنه جامع سر الربوبية ،
وسر النبوة ، وسر الولاية ، وسر الحكم والسلطنة ، وسر الجبروت والعظمة ، وسر التصرف الإلهي .
وإليه الإشارة بقوله : ( وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) ( 1 ) ، وهو علي عليه السلام ، وبيان ذلك
أنك إذا قلت : ا ل م تضمن بكل حرف منها محمد وعلي عليهما السلام ، وإذا قلت الله فإنه علم على ذات
المعبود واجب الوجود ، وإذا قلت : يا الله ، فالياء ناديت ، والاسم ناجيت ، والمعنى عنيت ، فهو اسم
الذات المقدسة ، أو إذا أشبعت ضمة الهاء منه برزت الذات وفي طي حروفه اسم علي ، فهو يشير
بالمعنى إلى ذات الرب المعبود ، وبالحروف إلى الكلمة التي قام بها الوجود ، إذا قلت : لا إله إلا هو ،
وهي حروف التنزيه والنفي والأثبات وهي عشرة .
وإليها الإشارة بقوله : تلك عشرة كاملة ( 2 ) ومعناها أنه لا إله في الوجود الواجب حي
موجود لذاته قادر عالم مستحق للعبادة إلا الله ، ثم إن أعداد حروفها يتضمن اسم علي ظاهرا
وباطنا ، ومعناه : الله لا إله إلا الله ، علي سره الخفي ، وأمينه الولي ، ونوره المشهور في السماوات
والأرض . ( 3 )
هامش
( 1 ) الروم : 27 .
( 2 ) المطففين : 196 .
( 3 ) وعلى هذا يحمل حديث النبي ص : ( بعث علي مع كل نبي سرا وبعث معي جهرا ) ( شرح
دعاء الجوشن : 104 ، وجامع الأسرار : 382 - 401 ح 763 - 804 ، والمراقبات : 259 ) . وروي بلفظ : ( يا علي إن الله تعالى قال لي : يا محمد بعثت عليا مع الأنبياء باطنا ومعك ظاهرا ) ثم
قال صاحب كتاب القدسيات : وصرح بهذا المعنى في قوله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ولكن لا
نبي بعدي : ليعلموا أن باب النبوة قد ختم وباب الولاية قد فتح ( الأنوار النعمانية : 1 / 30 )
أقول : يوجه كلام صاحب كتاب القدسيات : أن باب الولاية كان موجودا مع كل نبي سرا ، إلا أنه لم
يفتح ظاهرا ، فكان الأنبياء جميعا يستفيدون من هذا السر الولائي إلى أن وصل إلى النبي الأعظم ص
فظهر هذا السر إلى العلن .
* ويؤيد ذلك : - ما روي عن أبي محمد العسكري عليه السلام قال : ( فنحن السنام الأعظم وفينا النبوة والولاية والكرم ،
ونحن منار الهدى والعروة الوثقى ، والأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا ويقتفون آثارنا ) ( بحار الأنوار
: 26 / 264 باب جوامع مناقبهم ح 49 ، ومشارق الأنوار اليقين : 49 )
فهذا صريح في أن أنوار محمد وأل محمد عليهم السلام كانت مع كل نبي سرا ، والكون ليس لمجرد بل ليستفيدوا
منه ، ويقتفون آثاره وآثار محمد التي لا يعرف تفسيرها إلا هم ، وإلا كيف يكون للنور السري مع
كل نبي أثرا يقتفي ويهتدي به ؟
وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام لمن سأله عن فضله على الأنبياء الذين أعطوا من الفضل الواسع
والعناية الإلهية قال : ( والله قد كنت مع إبراهيم في النار : وأنا الذي جعلتها بردا وسلاما ، وكنت مع نوح في السفينة
فأنجيته من الغرق ، وكنت مع موسى فعلمته التوراة ، وأنطقت عيسى في المهد وعلمته الإنجيل ،
وكنت مع يوسف في الجب فأنجيته من كيد أخوته ، وكنت مع سليمان على البساط وسخرت له
الرياح ) ( الأنوار النعمانية : 1 / 31 ) . وروى ابن الجوزي والقاضي عياض قول العباس لمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وردت نار الخليل مكتتما * تجول فيها ولست تحترق
( الوفا بأحوال المصطفى : 28 الباب الثاني - ح 9 ، وينابيع المودة : 13 - 14 )
يا برد نار الخليل يا سببا لعصمة النار وهي تحترق
( الشفا باعراف حقوق المصطفى : 1 / 167 - 168 الباب الثالث
) . - وقال القسطلاني في المواهب :
سكن الفؤاد فعش هنيئا يا جسد * هذا النعيم هو المقيم إلى الأبد
روح الوجود حياة من هو واجد * لولاه ما تم الوكود لمن وجد
عيسى وآدم والصدور جميعهم * هم أعين هو نورها لما ورد
لو أبصر الشيطان طلعة نوره * في وجه آدم كان أول من سجد
أو لو رأى النمرود نور جماله * عبد الجليل مع الخليل ولا عند
لكن جمال الله جل فلا يرى * إلا بتخصيص من الله الصمد
( المواهب اللدنية بالمنح المحمدية : 1 / 44 ) .
- وقال الشيخ محمد حسين الأصفهاني :
طأطأ كل الأنبياء لطاها * ذلك عز عز أن يضاهى
تقبلت تربة آدم الصفي * بيمنه أكرم به من خلف
وسجدة الأملاك لا لغرته * بل نور ياسين بدا في غرته
به نجي نوح من الطوفان * بمرسلات اللطف والإحسان
( الأنوار القدسية : 20 ) .
- وقال الصفوري : لما ألقي إبراهيم في النار كان نور محمد صلى الله عليه وآله في جنبه ، وعند الذبح كان النور قد
انتقل إلى إسماعيل . ( نزهة المجالس : 2 / 245 ) .
- ما روي أن الإمام الصادق عليه السلام هو الذي أبطل سحر موسى عليه السلام ( الإختصاص : 247 . ) .
- ما عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام :
( قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية ، ونورنا سبع طبقات أعلام الورى بالهداية ، فنحن
ليوث الوغى وغيوث الندى وطعناء العدى ، فينا السيف والقلم في العاجل ، ولواء الحمد والعلم في
الأجل . . . فالكليم لبس حلة الاصطفاء لما شاهدنا منه الوفاء ، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق
من حدائقنا الباكورة . . . وهذا الكتاب ذرة من جبل الرحمة وقطرة من بحر الحكمة ) ( المراقبات :
245 ) .
- ما روي في معنى قوله صلى الله عليه وآله ( الله المعطي وأنا القاسم ) : جميع ما يخرج من الخزائن الإلهية دنيا
وأخرى إنما يخرج على يديه ( شرح الشمائل : 2 / 246 ) .
- وحديث أمير المؤمنين عليه السلام : ( أنا آدم الأول أنا نوح الأول ) ( الإنسان الكامل : 168 ) .
- وقال الشعراوي قلت : ( وبذلك قال سيدي على الخواص سمعته يقول : إن نوحا عليه السلام أبقى من السفينة
لوحا على اسم علي بن أبي طالب رفع عليه إلى السماء فلم يزل محفوظا من الغرق حتى رفع عليه )
( الفتوحات الأحمدية لسليمان الجمل : 93 ) .
- وقال رسول البشرية صلى الله عليه وآله : ( أنا محمد النبي الأمي لا نبي بعدي ، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه ،
وعلمت خزنة النار وحملة العرش ) ( الشفا بتعريف حقوق المصطفى : 1 / 170 الباب الثالث - الفصل
الأول ) .