الفصل الثامن
في أسرار الإمام الصادق عليه السلام
من ذلك ما رواه محمد بن سنان أن رجلا قدم عليه من خراسان ومعه صرر من الصدقات
معدودة مختومة ، وعليها أسماء أصحابها مكتوبة ، فلما دخل الرجل جعل أبو عبد الله يسمي أصحاب
الصرر ، ويقول : أخرج صرة فلان فإن فيها كذا وكذا ، ثم قال : أين صرة المرأة التي بعثتها من غزل
يدها أخرجها فقد قبلناها ؟ ثم قال للرجل : أين الكيس الأزرق ، وكان فيما حمل إليه كيس أزرق فيه
ألف درهم ، وكان الرجل قد فقده في بعض طريقه ، فلما ذكره الإمام استحيى الرجل وقال : يا مولاي
إني فقدته في بعض الطريق ، فقال له الإمام عليه السلام : تعرفه إذا رأيته ؟ فقال : نعم ، فقال : يا غلام ، أخرج
الكيس الأزرق ، فأخرجه ، فلما رآه الرجل عرفه ، فقال الإمام : إنا احتجنا إلى ما فيه فأحضرناه قبل
وصولك إلينا ، فقال الرجل : يا مولاي إني ألتمس الجواب بوصول ما حملته إلى حضرتك ، فقال له : إن
الجواب كتبناه وأنت في الطريق ( 1 ) .
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن الكاهلي قال : قال لي الصادق عليه السلام : إذا لقيت السبع فاقرأ في وجهه
آية الكرسي ، وقل : عزمت عليك بعزيمة الله وعزيمة رسوله ، وعزيمة سليمان بن داود ، وعزيمة علي
أمير المؤمنين والأئمة من بعده ، فإنه ينصرف عنك ، قال : فخرجت مع ابن عم لي قادما من الكوفة
فعرض لنا السبع فقرأت عليه ما علمني مولاي فطأطأ رأسه ورجع عن ا لطريق ، فلما قدمت إلى سيدي
من قبل أن أعلمه بالخبر ، فقال : أتراني لم أشهدكم أن لي مع كل ولي أذن سامعة ، وعين ناظرة ،
ولسان ناطق ، ثم قال : يا عبد الله أنا والله صرفته عنكما وعلامة ذلك أنكما كنتما على شاطئ النهر ( 2 ) .
أقول : في هذا الحديث أسرار غريبة ، الأول إطاعة الوحوش لهم عيانا وسماعا ، والثاني إخباره
أنه لم يغب عنهم وأن يشهد سائر أوليائه لأن الإمام مع الخلق كلهم لم يغب عنهم ، ولم يحتجبوا عنه
طرفة عين ، ولكن أبصارهم محجوبة عن النظر إليه ، وإن الدنيا بين يدي الإمام كالدرهم بين يدي
الرجل يقلبه كيف شاء ، والثالث أنه أنكر عليه وقال : أتراني لم أشهدكم ؟ حيث إنه حسب أن
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 47 / 155 ح 218 .
( 2 ) بحار الأنوار : 47 / 95 ح 108 .