وعلمه واجب لهم من وجوه : الأول أن الله سبحانه سطر في اللوح المحفوظ علم ما كان وما
يكون ، ثم أبرز إلى كل نبي منهم ما يكون له ولأوصيائه ، إلى ظهور الشريعة التي تأتي بعده حتى
ختمت الرسل بفاتحهم ، وختمت الشرايع بخاتمها ، فوجب أن يكون عنده علم ما سبق وما يلحق
إلى يوم القيامة ، لكونه خاتما لأن كتابه الجامع المانع ، ثم أنه ليلة المعراج لما وصل المقام الأسنى ، وكان
قاب قوسين أو أدنى ، وعلا على اللوح المحفوظ رفعة وعلما ، وخوطب من الأسرار الإلهية بما ليس في
اللوح ، فكان علم الغيب الأول والآخر عنده وله ( 1 ) ، بل هو اللوح المحفوظ لأنه السابق على الكل
هامش
( 1 ) الصحيح أن زمن علمهم هو عالم الأنوار وقد فصلناه في كتاب علم آل محمد عليهم السلام وإليك مجمله :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( نبئت وآدم بين الروح والجسد ) ( وجبت النبوة لي وأدم بين الدوح
والجسد ) ( فضائل ابن شاذان : 34 ، كنز العمال : 12 / 426
ح 35584 و 11 / 409 - 450 ح 32115 و 31917 ، والشريعة للجري : 416 - 421 - عدة
أحاديث - ، والشفاء : 1 / 166 ، وسنن الترمذي : 5 / 585 ، والمعجم الكبير : 20 / 353 ، الفردوس
بمأثور الخطاب : 3 / 284 ح 4854 ) . فكونه نبيا ينبأ في غاية الوضوح والدلالة على تلقيه العلوم في ذلك العالم ، إذ يستحيل أن الله اتخذ نبيا
ونبأه وهو فاقد للعلم .
وعن الإمام الباقر عليه السلام : ( إن الله أول ما خلق خلق محمدا وعترته الهداة المهتدين ، فكانوا أشباح نور
بين يدي الله ) .
قلت : وما الأشباح ؟
قال : ( ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح ، وكان مؤيدا بروح واحدة هي روح القدس ) ( أصول
الكافي : 1 / 442 ح 10 مولد النبي ) .
وعن الإمام العسكري عليه السلام : ( هذا روح القدس الموكل بالأئمة عليهم السلام يوفقهم ويسددهم
ويزينهم بالعلم ) ( الأنوار النعمانية : 2 / 18 ) .
وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السلام قال فيه : ( فلما أراد أن يخلق الخلق نشرهم بين يديه فقال لهم
من ربكم ؟
فكان أول من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة صلوات الله عليهم ، فقالوا أنت ربنا ، فحملهم
العلم والدين ، ثم قال للملائكة : هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي في خلقي وهم المسؤولون )
( بحار الأنوار : 15 / 16 باب بدء خلق النبي ح 22 ، و : 26 / 177 ح 19 باب تفضيلهم على الأنبياء ،
والتوحيد للصدوق : 319 باب معنى : ( وكان عرشه على الماء ) ح 1 باب 49 ط . قم ) .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث جاء فيه : ( ثم جعلنا عن يمين العرش ، ثم خلق الملائكة فهللنا فهللت
الملائكة ، وكبرنا فكبرت الملائكة ، وكان ذلك من تعليمي وتعليم علي ، وكان ذلك في علم الله السابق
أن الملائكة تتعلم منا التسبيح والتهليل ، وكل شئ يسبح لله ويكبره ويهلله بتعليمي وتعليم
علي ) ( بحار الأنوار : 345 باب فضل النبي وآله ح 18 ، ومشارق أنوار اليقين : 40 ، والأنوار
النعمانية : 1 / 22 ) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا علي نحن أفضل ( من الملائكة ) خير خليقة الله على بسيط الأرض وخيرة الله
المقربين ، وكيف لا نكون خيرا منهم ؟ وقد سبقناهم إلى معرفة الله وتوحيده ؟ ! فبنا عرفوا الله وبنا
عبدوا الله وبنا اهتدوا السبيل إلى معرفة الله ) ( بحار الأنوار : 26 / 349 - 350 - 350 ح 33 ) .
وعن الإمام الصادق عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله مثل لي أمتي في الطين وعلمت الأسماء كما
علم آدم الأسماء كلها ) ( بصائر الدرجات : 85 باب أنه عرف ما رأى في الأظلة ح 7 ) .
وفي رواية عن الإمام الباقر عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن ربي مثل لي أمتي في الطين وعلمني
أسماء الأنبياء - وفي نسخة - الأشياء ، كما علم آدم الأسماء كلها فمر بي أصحاب الرايات ، فاستغفرت
لعلي وشيعته ) ( بصائر الدرجات : 86 باب أنه عرف ما رأى في الأظلة ح 15 ) .
وقال الإمام الجواد عليه السلام : ( أنا محمد بن علي الرضا أنا الجواد ، أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب
أنا أعلم بسرائركم فظواهركم ، وما أنتم صائرون إليه ، علم منحنا به من قبل خلق الخلق أجمعين
في الهداية الكبرى : علما أورثناه الله قبل الخلق أجمعين ، وبعد فناء السماوات والأرضين ، ولولا
تظاهر أهل الباطل ودولة أهل الطلالة ، ووثوب أهل الشك : لقلت قولا تعجب منه الأولون
والآخرون ) .
ثم وضع يده الشريفة على فيه وقال : ( يا محمد اصمت كما صمت آباؤك من قبل )
( مشارق أنوار اليقين : 98 الفصل الحادي عشر ، والهداية الكبرى : 296 باب 11 ) .
وروى صاحب بستان الكرامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان جالسا وعنده جبرائيل عليه السلام فدخل علي عليه السلام فقال له
جبرائيل عليه السلام .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : ( أتقوم لهذا الفتى ؟ ) .
فقال له عليه السلام : نعم إن له علي حق التعليم .
فقال النبي صلى الله عليه وآله : كيف ذلك التعليم يا جبرائيل ؟
فقال : لما خلقني الله تعالى سألني من أنت وما اسمك ومن أنا وما اسمي ؟
فتحيرت في الجواب وبقيت ساكتا ، ثم حضر هذا الشاب في عالم الأنوار وعلمني الجواب ، فقال : ( قل :
أنت ربي الجليل واسمك الجليل وأنا العبد الذليل واسمي جبرائيل ) .
ولهذا قمت له وعظمته . ( الأنوار النعمانية : 1 / 15 ) .
وروى الصفوري قول أمير المؤمنين عليه السلام : ( سلوني قبل أن تفقدوني عن علم لا يعرفه جبرائيل
وميكائيل ) ( نزهة المجالس : 2 / 129 ط . التقدم العلمية بمصر 1330 ه ، و 2 / 144 ط . بيروت
المكتبة الشعبانية المصورة عن مصر الأزهرية 1346 ه ) .
وقد أشار محيي الدين ابن عربي في خطبة الفتوحات المكية إلى ذلك بقوله :
( الحمد لله الذي جعل الإنسان الكامل معلم الملك وأدار بانقساره طبقات الفلك ) .
وفي حديث الإمام الصادق عليه السلام مع المفضل بعد ذكر الإمام رجعة أصحاب الكساء وشكايتهم إلى رسول
الله صلى الله عليه وآله ما حل بهم قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام لفضة : ( يا فضة لقد عرفه رسول الله وعرف الحسين
اليوم بهذا الفعل ( ضرب فاطمة وإسقاط المحسن عليهما السلام ) ونحن في نور الأظلة أنوار عن يمين
العرش ) ( الهداية الكبرى : 408 باب 14 ) .
هذا وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله : ( في قاب قوسين علمني الله القرآن وعلمني الله علم الأولين )
( لوامع أنوار الكوكب الدري : 1 / 117 - 118 ) .