تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 621

مساهمون:

ص٦٢١
عين هذه المخلوقات ، ولا صفة ولا جزء منها ، فإن الخالق غير المخلوق ، وليس بداخل فيها محصور بل هي صريحة في أنه مباين لها وأنه ليس حالا فيها ولا محلا لها ، فهي هادية للقلوب عاصمة لها أن يفهم من قوله :
وَهُوَ مَعَكُمْ
. أن اللّه سبحانه عين المخلوقات أو حال فيها أو محل لها . الوجه الرابع : إنه ليس ظاهر اللفظ ولا حقيقته أنه سبحانه مختلط بالمخلوقات ممتزج بها ، ولا تدل لفظة « مع » على هذا بوجه من الوجوه فضلا أن يكون هو حقيقة اللفظ وموضوعه ، فإن « مع » في كلامهم لصحبته اللائقة وهي تختلف باختلاف متعلقاتها ومصحوبها ، فكون نفس الإنسان معه لون ، وكون علمه وقدرته وقوته معه لون ، وكون زوجته معه لون ، وكون أميره ورئيسه معه لون وكون ما له معه لون . فالمعية ثابتة في هذا كله مع تنوعها واختلافها ، فيصح أن يقال : زوجته معه وبينهما شقة بعيدة ، وكذلك يقال مع فلان دار كذا وضيعته كذا ، فتأمل نصوص المعية في القرآن كقوله تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ
( الفتح : 29 ) وقوله :
يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ
( الحديد : 14 ) وقوله :
لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا
( التوبة : 83 ) وقوله :
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ
( التوبة : 119 ، البقرة : 43 ، البقرة : 249 ، التحريم : 8 ، آل عمران : 53 )
فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ
وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ
( النساء : 102 ، 103 ، المائدة : 84 ) ، وأضعاف ذلك ، هل يقتضي موضع واحد منها مخالطة في الذوات التصاقا وامتزاجا ، فكيف تكون حقيقة المعية في حق الرب تعالى ذلك حتى يدعي أنها مجاز لا حقيقة ، فليس في ذلك ما يدل على أن ذاته تعالى فيهم ولا ملاصقة لهم ، ولا مخالطة ولا مجاوزة بوجه من الوجوه ، وغاية ما تدل عليه ( مع ) المصاحبة والموافقة والمقارنة في أمر من الأمور . وذا الاقتران في كل موضع بحسبه يلزمه لوازم بحسب متعلقة . فإن قيل : اللّه مع خلقه بطريق العموم ، كان من لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم ، وإذا كان ذلك خاصا كقوله :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
( الحديد : 4 ) كان من لوازم ذلك معيته لهم بالنصرة