تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
الرابع : إن قوله معلوم أن الحديد لم ينزل جرمه من السماء إلى الأندلس ، وكذلك الأنعام . يقال له : هذا معلوم لك بالضرورة أم بالاستدلال ، ولا ضرورة يعلم بها ذلك ، وأين الدليل . الخامس : أنه قد عهد نزول أصل الإنسان وهو آدم من علو إلى أسفل ، كما قال تعالى :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
( طه : 123 ) فما المانع أن ينزل أصل الأنعام مع أصل الأنام ، وقد روي في نزول الكبش الذي فدى اللّه به إسماعيل ما هو معروف ، وقد روي في نزول الحديد ما ذكره كثير من أرباب النقل ، كنزول السندان والمطرقة ، ونحن وإن لم نجزم بذلك فالمدعي أن الحديد لم ينزل من السماء ليس معه ما يبطل ذلك . السادس : إن اللّه سبحانه لم يقل أنزلنا الحديد من السماء ، ولا قال وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج من السماء ، فقوله معلوم أن الحديد والأنعام لم ينزل من السماء إلى الأرض لا يخرج لفظة « النزول » عن حقيقتها ، إذ عدم النزول من مكان معين لا يستلزم عدمه مطلقا . السابع : إن الحديد إنما يكون في المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض ، وقد قيل إن كل ما كان معدنه أعلى كان حديده أجود . وأما قوله :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
فإن الأنعام تخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث ، ولهذا يقال أنزل ، ولم ينزل ، ثم إن الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض ، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها ، والوطي وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل ، وعلى هذا فيحتمل قوله :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ
وجهين ( أحدهما ) أن يكون المراد الجنس كما هو الظاهر ، ويكون كقوله :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
فتكون ( من ) لبيان الجنس . الثاني : أن يكون « من » لابتداء الغاية كقوله :
وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها
( النساء : 1 ) فيكون قد ذكر المحل الذي أنزلت منه وهو أصلاب الفحول ، وهذان الوجهان يحتملان في قوله :
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 578 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي