فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
( الحشر : 19 ) ، قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
( المائدة : 41 ) فعدم إرادته تطهيرهم وتخليته بينهم وبين نفوسهم أوجب لهم من الشر ما أوجبه ، فالذي إلى الرب وبيديه ومنه هو الخير ، والشر كان منهم مصدره وإليهم كان منتهاه ؛ فمنهم ابتدأت أسبابه بخذلان اللّه تعالى لهم تارة وبعقوبته لهم به تارة ؛ وإليهم انتهت غايته ووقوعه ، فتأمل هذا الموضع كما ينبغي ، فإنه يحل عنك إشكالات حار فيها أكثر الناس ولم يهتدوا إلى الجمع بين الملك والحمد والعدل والحكمة .
المسلك الثالث : مسلك الرحمة فإنها هي المسؤولية الشاملة العامة للموجودات كلها وبها قامت الموجودات ، فهي التي وسعت كل شيء والرب وسع كل شيء رحمة وعلما فوصلت رحمته إلى حيث وصل علمه ، فليس موجود سوى اللّه تعالى إلا وقد وسعته رحمته وشملته وناله منها حظ ونصيب . ولكن المؤمنون اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها تكميل الرحمة ودوامها ، والكفار اكتسبوا أسبابا استوجبوا بها صرف الرحمة إلى غيرهم ، فأسباب الرحمة متصلة دائمة لا انقطاع لها لأنها من صفة الرحمة ، والأسباب التي عارضتها مضمحلة زائلة لأنها عارضة على أسباب الرحمة طارئة عليها ، وإذا كان كل مخلوق قد انتهت إليه الرحمة ووسعته فلا بد أن يظهر أثرها فيه آخرا كما ظهر أثرها فيه أولا . فإن أثر الرحمة ظهر فيه أول النشأة ثم اكتسب ما يقتضي آثار الغضب ، فإذا ترتب على الغضب أثره عادت الرحمة فاقتضت أثرها آخرها كما اقتضته أولا لزوال المانع وحصول المقتضي في الموضعين .
ومما يوضح هذا المعنى أن الجنة مقتضى رحمته ومغفرته ، والنار من عذابه ، وهو مخلوق منفصل عنه ، ولهذا قال تعالى
نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ
( الحجر : 39 ، 187 ) ، وقال :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( المائدة : 98 ) ، قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
( الأعراف : 187 ) .