اللّه بعبده الخير أراد من نفسه سبحانه أن يوفقه له ويعينه عليه فيوجد منه ؛ فيترتب عليه من الأمور الوجودية ما فيه صلاحه وسعادته ، فإذا لم يرد به خيرا لم يرد من نفسه أن يعينه ويوفقه فيبقى مستمرا على عدم الخير والّذي هو الأصل ، فيترتب على هذا العدم فقد الخير وأسبابه وذلك هو الشر والألم ، فإذا بقيت النفس على عدم كمالها الأصلي وهي متحركة بالذات لم تخلق ساكنة تحركت في أسباب مضارتها وألمها ، فتعاقب بخلق أمور وجودية ، يريد اللّه سبحانه تكوينها عدلا منه في هذه النفس وعقوبة لها . وذلك خير من جهة كونه وعدلا وحكمة وعبرة ، وإن كان بالإضافة إلى المعذب والمعاقب فلم يخلق اللّه سبحانه شرا مطلقا بل الذي خلقه من ذلك خير في نفسه وحكمة وعدلا . وهو شر نسبى إضافى في حق من أصابه ، كما إذا أنزل المطر والثلج والرياح وأطلع الشمس كانت هذه خيرات في نفسها وحكم ومصالح وإن كانت شرا نسبيا إضافيا في حق من تضرر بها .
وبالجملة فالكلمة الجامعة لهذا هي الكلمة التي أثنى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ربه حيث يقول : « والشر ليس إليك » فالشر لا يضاف إلى من الخير بيديه ، وإنما ينسب إلى المخلوق كقوله تعالى :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
( الفلق : 1 ، 2 ) فأمره أن يستعيذ به من الشر الّذي في المخلوق ، فهو الذي يعيذ منه وينجى منه وإذا أخلى العبد قلبه من محبته والإنابة إليه وطلب مرضاته ، وأخلى لسانه من ذكره والثناء عليه ، وجوارحه من شكره وطاعته فلم يرد من نفسه ذلك ونسي ربه ، لم يرد اللّه سبحانه ان يعيذه من ذلك ، ونسيه كما نسيه وقطع الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده قال تعالى
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ
( الحج : 37 ) فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه . وقد صرح سبحانه بهذا المعنى بعينه في قوله تعالى :
وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
( الأنعام : 110 ) أي نخلي بينهم وبين نفوسهم التي ليس لهم منها إلا الظلم والجهل . وقال تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ