تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
الراحة في الدنيا بالموت الّذي لا بد منه ، ويتداخل الثواب في الآخرة ، ومن لا يثاب كالبهائم التي لا بد من موتها فإنها لا تتعجل الراحة وما يصيبها من ألم الجوع والعطش ، فهو من لوازم العدل والحكمة مثل الّذي يصيبها من ألم الحر والبرد والحبس في بيوتها التي مصلحتها أرجح من مفسدة ما ينالها ، وهكذا مصلحة هذه العقوبة العامة وجعلها عبرة للأمم أرجح من مفسدة تألم تلك الحيوانات . * * *

فصل ( حكمة الرب تعالى في خلق الضدين )

اعلم أن من أعظم حكمة الرب وكمال قدرته ومشيئته خلق الضدين إذ بذلك تعرف ربوبيته وقدرته وملكه ، كالليل والنهار ، والحر والبرد ؛ والعلو والسفل ، والسماء والأرض ، والطيب والخبيث ، والداء والدواء ، والألم واللذة ، والحسن والقبيح ، فمن كمال قدرته وحكمته خلق جبريل وخلقك ، فخلق أطيب الأرواح وأزكاها وأطهرها وأفضلها ، وأجرى على يديه كل خير ، وخلق أنجس الأرواح وأخبثها وأرداها وأجرى على يديه كل شر وكفر وفسوق ومعصية وجعل الطيب منحازا إلى تلك الروح ، والخبيث منحازا إلى هذه الروح فتلك مغناطيس كل طيب وهذه مغناطيس كل خبيث وأي حكمة أبلغ من هذا ؟ يوضحه : أن المادة الأرضية مشتملة على الطيب والخبيث ، وقد اقتضت الحكمة أن خلق منها آدم وذريته فلا بد أن يأتي بنو آدم كذلك مشاكلتهم لمادتهم . والمادة النارية فيها الخير والشر ؛ فلا بد أن يأتي المخلوق منها كذلك . واللّه تعالى يريد تخليص الطيب من المادة الأرضية من الخبيث ليجعل الطيب مجاورا له في دار كرامته مختصا برؤيته والقرب منه . ويجعل الخبيث في دار الخبث ، حظه البعد منه والهوان والطرد والإبعاد ، إذ لا يليق بحمده وحكمته
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 338 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي