تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
حديدته في مقابلة طول العنق ، ورمان القبان في مقابلة رأس البعير فتم لهم ما استنبطوه كذلك استنبطوا بناء الأقبية من ظهره فإنهم وجدوه يحمل ما لا يحمل غيره فتأملوا ظهره فإذا هو كالقبو « 1 » ، فعلموا أن القبو يحمل ما لا يحمل السطح . وكذلك ما استنبطه الحداق لكل من كل بصره أن يديم النظر إلى إجانة « 2 » خضراء مملوءة ماء استنباطا من حكمة الخلاف العليم في لون السماء ؛ فإن لونها أشد الألوان موافقة للبصر ، فجعل أديمها بهذا اللون ليمسك الأبصار ولا ينكأ « 3 » فيها بطول مباشرته لها ؛ وإذا فكرت في طلوع الشمس وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار ، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم ، فكم في طلوعها من الحكم والمصالح . وكيف يكون حال الحيوان لو أمسكت عنه جعل الليل عليه سرمدا والدنيا مظلمة عليه ؟ فبأي نور كانوا يتصرفون ؟ وكيف كانت تنضج ثمارهم . وتكمل أقواتهم وتعتدل صورهم فالحكم في طلوعها أعظم من أن تختفى أو تحصى . ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلو لا غروبها لم يكن للحيوان هدوء ولا قرار مع شدة حاجتهم إلى الهدوء والراحة . وأيضا لو دامت الأرض لاشتد حرها بدوام طلوعها عليها . فاحترق كل ما عليها من حيوان ونبات . فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم ان جعلها تطلع عليهم في وقت دون وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا . وصار ضياء النهار وحرارته ، وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه . ثم اقتضت حكمته أن جعل للشمس ارتفاعا وانحطاطا لإقامة هذه الفصول الأربعة من السنة وما فيها من قيام الحيوان والنبات . ففي زمن الشتاء تفور
هامش
( 1 ) القبو : الطاق المعقود بعضه إلى بعض في شكل قوس ، وبناء تحت الأرض تنخفض حرارته في الصيف فيحفظ فيه الجبن والزبد والفواكه وغيره . ( وجيز ) . ( 2 ) الإجانة : إناء تغسل فيه الثياب ( الوجيز ) . ( 3 ) نكأ القرحة نكئا : قشرها قبل أن تبرأ فندبت ( الوجيز ) .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 299 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي