تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلق ، فإن صفة العلم واجبة للّه قديمة غير حادثة ، متعلقة بكل معلوم على التفصيل . وهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوقين ، ويلزمها لوازم من حيث كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له . فهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم . واجعل هذا التفضيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال ، واعتصم به في التشبيه والتمثيل ، وفي بطلان النفي والتعطيل . واعتبره في العلو والاستواء تجد الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والحديث ، فهذا الإلزام حق لا يجوز نفيه ، ويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له ، والأعلى مفتقرا إليه ، وهذا في بعض المخلوقات ، لا في كلها ، بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى أسفل ، ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله . كالسماء مع الأرض فالرب تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه من خصائصه ، وهي حمله السافل وفقر السافل إليه ! وغناه سبحانه عنه وإحاطته عز وجل به ؛ فهو فوق العرش ، وعدم إحاطة العرش به ؛ وحصره للعرش ، وعدم حصر العرش له . وهذه اللوازم منتفية عن المخلوقين ، ولو ميز أهل التعطيل هذا التمييز لهدوا إلى سواء السبيل ، ولما فارقوا الدليل .

( منشأ الضلال الّذي قاد إلى التعطيل )

الوجه الخامس والأربعون : إن الأصل الذي قادهم إلى التعطيل ، واعتقاد المعارضة بين الوحي والعقل أصل واحد ، وهو منشأ ضلال بني آدم ، وهو الفرار من تعدد صفات الواحد وتكثر أسمائه الدالة على صفاته وقيام الأمور المتجددة به ، وهذا لا محذور فيه ، بل هو الحق لا يثبت كونه سبحانه ربا وإلها وخالقا إلا به ، ونفيه جحد للصانع بالكلية . وهذا القدر اللازم لجميع طوائف أهل الأرض على اختلاف مللهم وعلومهم ، حتى لمن أنكر الصانع بالكلية وأنكره رأسا ، فإنه يضطر إلى الإقرار بذلك وإن قام عنده ألف شبهة أو أكثر على خلافه . وأما من أقر بالصانع فهو مضطرا إلى أن يقر بكونه حيا عالما قادرا مريدا