وثابت إليه روحه بعد أن بلغت التراق . وقيل من راق . واستنقذ اللّه بعبده وجنوده بيت المقدس من أيدي عبدة الصليب . وأخذ كل من أنصار اللّه ورسوله من نصرة دينه بنصيب . وعلت كلمة السنة وأذن بها على رؤوس الأشهاد ، ونادى المنادي يا أنصار اللّه لا تنكلوا عن الجهاد ، فإنه أبلغ الزاد ليوم المعاد .
فعاش الناس في ذلك النور مدة حتى استولت الظلمة على بلاد الشرق ، فقدموا الآراء والعقول والسياسة والأذواق على الوحي ، وظهرت فيهم الفلسفة والمنطق وتوابعهما . فبعث اللّه عليهم عبادا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وعاثوا في القرى والأمصار وكاد الإسلام أن يذهب اسمه وينمحي رسمه . وكان مشار هذه الفئة وعالمها الذي يرجع إليه وزعيمها المعول فيها عليه ، شيخ شيوخ المعارضين بين الوحي والعقل ؛ وإمامهم في وقته نصير الشرك والكفر ( الطوسي ) فلم يعلم في عصرة أحد عارض بين العقل والنقل معارضة رام بها إبطال النقل بالكلية مثله ، فإنه أقام الدعوة الفلسفية ، واتخذ الإشارات عوضا عن السور والآيات . وقال :
هذه عقليات قطعية برهانية قد قابلت تلك النقليات الخطابية ؛ واستعرض أهل الاسلام وعلماء أهل الإيمان والقرآن والسنة على السيف ؛ فلم يبق منهم إلا من قد أعجزه ، قصدا لإبطال الدعوة الإسلامية ، وجعل مدارس المسلمين وأوقافهم للنجسية السحرة والمنجمين والفلاسفة والملاحدة والمنطقيين ، ورأى ابطال الأذان وتحويل الصلاة إلى القطب الشمالي ، فحال بينه وبين ذلك من تكفل بحفظ الإسلام ونصره ، وهذا كله من ثمرة المعارضين بين الوحي والعقل .
ولتكن قصة شيخ هؤلاء القديم منك على ذكر كل وقت « 1 » ، فإنه أول من عارض بين العقل والنقل ، وقدم العقل ، فكان من أمره ما قص اللّه ، وورث الشيخ تلامذته هذه المعارضة . فلم يزل يجري على الأنبياء وأتباعهم منها كل
هامش
( 1 ) يعني الشيطان لما عراض أمر اللّه له بالسجود لآدم عارض أمره سبحانه بقياس عقلي وتقدم بيان ذلك ونقض آرائه .