تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما . إلى أن جاء أول المائة الثالثة وولى على الناس عبد اللّه المأمور . وكان يحب أنواع العلوم ، وكان مجلسه عامرا بأنواع المتكلمين في العلوم ، فغلب عليه حب المعقولات ، فأمر بتعبير كتب يونان « 1 » ، وأقدم لها المترجمين من البلاد ، فترجمت له وعبرت ، فاشتغل بها الناس . والملك سوق ما ينفق فيه جلب إليه ، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أخوه الأمين قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل ؛ فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها استحسنها ودعا الناس إليها عاقبهم عليها . فلم تطل مدته . فصار الأمر بعده إلى المعتصم ، وهو الذي ضرب أحمد بن حنبل ، فقام بالدعوة بعده ، والجهمية تصوب فعله وتدعو إليه وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن التشبيه والتجسيم . وهم الذين غلبوا على مجلسه وقربه ، والقضاة والولاة منهم . فإنهم تبع لملوكهم ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء النصوص وتقديم العقول والآراء عليها . فإن الإسلام كان في ظهور وقوة ، وسوق الحديث نافقة ، وأعلام السنة على ظهر الأرض ولكن كانوا على ذلك يحومون وحوله يدندنون ، وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة ؛ فمن بين أعمى مستجيب ؛ ومن بين مكره مفتد بنفسه منهم بإعطاء ما سألوه . وقلبه مطمئن بالإيمان . وثبت اللّه أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد . فأقامهم لنصرة دينه ، وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون : فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين . قال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
( السجدة : 24 ) فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد ، ولم يتركوا سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رغبوهم به من الوعد ولا لما أرعبوهم به من الوعيد . ثم أطفأ اللّه برحمته تلك الفتنة وأخمد تلك الكلمة ، ونصر السنة نصرا عزيزا ، وفتح لأهلها فتحا مبينا ، حتى صرخ بها على رؤوس المنابر ، ودعى إليها في كل باد وحاضر ، وصنف في ذلك الزمان في السنة ما لا يحصيه إلا اللّه . ثم انقرض ذلك العصر وأهله ، وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب اللّه
هامش
( 1 ) يعني ترجمتها وتفسيرها .