تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا أنها نبوة في الحقيقة فإنهم بنوها على مجرد طريق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره ، وحاروا في الفرق فلم يأتوا فيه بما تثلج له الصدور . مع أن النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي بالنبي ، والتعلق عندهم أمر عدمي . فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي . وقد صرحوا بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة إنباء اللّه لرسوله وأمره تبليغ كلامه إلى عباده . وعندهم أن اللّه يتكلم ولا يقوم به كلام . أما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد قالوا : لا ينافي التصديق بالمعاد إلا بإثباته ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له . والمثبتون له يعترفون أن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة ، وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه . وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ، ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء ، فقالوا ، لو أن اللّه تعالى يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه موجودا حتى أنه يعيد زمنه بعينه وينشئه لا من مادة كما قالوا في المبدأ ، فجنوا على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به ، وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل . وأما المبدأ فإنهم قالوا : إن اللّه تعالى كان معطلا في الأزل ، والفعل غير ممكن ، مع قولهم كان قادرا عليه ، ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر أصلا ، وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي ، وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة . فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها الوحي . وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا مبدأ ولا معادا . الوجه الحادي والثلاثون : إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة « 1 » ؛ فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه ، فإن سبحانه لما أمره
هامش
( 1 ) أبو مرة : هي كنية إبليس عليه لعنة اللّه .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 216 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي