قضايا نفسه دلالة عامة ، ولأن العقل يغلط كما يغلط الحس . وأكثر من غلطه بكثير ، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعرض فيه من الغلط ما يعرض ، فما الظن بالعقل .
الثامن : إن الدليل الدال على صحة الشيء أو ثبوته أو عدالته أو قبول قوله لا يحب أن يكون أصلا له ، بحيث إذا قدم قول المشهود له والمدلول عليه على قوله يلزم إبطاله . وهذا لا يقوله من يدري ما يقول . غايته أن العلم بالدليل أصل العلم بالمدلول ، فإذا حصل العلم بالمدلول لم يلزم من ذلك تقديم الدليل عليه في كل شيء . فإذا شهد الناس لرجل بأنه خبير بالطب أو التقويم أو القيافة دونهم ، ثم تنازع الشهود المشهود له في ذلك وجب تقديم قول المشهود له .
فلو قالوا : نحن شهدنا لك وزكيناك وبشهادتنا ثبتت أهليتك فتقديم قولك علينا والرجوع إليك دوننا يقدح في أصل الذي ثبت به قولك ؟ قال لهم : أنتم شهدتم بما علمتم إني أهل لذلك دونكم وأن قولي فيه مقبول دونكم . فلو قدمت أقوالكم على قولي فيما اختلفنا فيه لكان ذلك قدحا في شهادتكم وعلمكم بأني أعلم منكم .
وحينئذ فهذا ( وجه تاسع ) مستقل بكسر هذا الطاغوت . وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع ، لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه أعلم منه ، وأنه لا نسبة له إليه ، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل ، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته ، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع ، وهذا ظاهر لا خفاء به .
يوضحه : الوجه العاشر : وهو أن الشرع مأخوذ عن اللّه بواسطة الرسولين الملك والبشر بينه وبين عباده ، مؤيدا بشهادة الآيات وظهور البراهين على ما يوجبه العقل ويقتضيه تارة ويستحسنه تارة ، ويجوز تارة ويضعف عن دركه تارة ، فلا سبيل له إلى الإحاطة به ، ولا بد له من التسليم له والانقياد لحكمه والإذعان والقبول - وهناك يسقط ( لم ) ويبطل ( كيف ) وتزول ( هلا ) وتذهب
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 160
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١٦٠