ومن ذلك يظهر : أنه لا مضادة بين إيجاب الاحتياط وبين الحكم الواقعي ،
فإن المشتبه إن كان مما يجب حفظ نفسه واقعا فوجوب الاحتياط يتحد مع
الوجوب الواقعي ، ويكون هو هو ، وإن لم يكن كذلك فلا يجب الاحتياط ، لانتفاء
علته ، وإنما المكلف يتخيل وجوبه ، هذا كله إذا كانت مصلحة الواقع تقتضي
جعل المتمم من إيجاب الاحتياط .
وإن لم تكن المصلحة الواقعية بهذه المثابة من الأهمية فللشارع جعل
المؤمن بلسان الرفع كحديث الرفع ( 1 ) ، أو بلسان الوضع كقوله : " كل شئ لك
حلال " ( 2 ) ، فإن المراد من الرفع ليس رفع التكليف عن موطنه ، بل رفع التكليف
عما يستتبعه من التبعات ، وإيجاب الاحتياط ، فالرخصة المستفادة من حديث
الرفع نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان ، فكما
أن هذه الرخصة لا تنافي الحكم الواقعي كذلك الرخصة المستفادة من حديث
الرفع .
والسر في ذلك : هو أن هذه الرخصة تكون في طول الحكم الواقعي ،
ومتأخر رتبتها عنه ، لأن الموضوع فيها هو الشك في الحكم ، من حيث كونه
موجبا للحيرة في الواقع وغير موصل إليه ، فقد لوحظ في الرخصة وجود الحكم
الواقعي ، ومعه كيف يعقل أن تضاد الحكم الواقعي .
وبالجملة : الرخصة والحلية المستفادة من حديثي الرفع والحل تكون
في عرض المنع والحرمة المستفادة من إيجاب الاحتياط ، وقد عرفت أن إيجاب
هامش
1 - التوحيد : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ،
الباب 56 ، الحديث 1 .
2 - الكافي 6 : 339 / 2 ، وسائل الشيعة 25 : 118 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب
الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 2 .