تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
زال يبعث إليه برسالة بعد رسالة ، فأجابه بما مضمونه صدق الطوية ، حسن النية . وسأل عضد الدولة : الطائع في مورده الثاني إلى الحضرة أن يزيد في لقبه تاج الملة ، ويجدد الخلع عليه ، ويلبسه التاج والحلي المرصع بالجوهر ، فأجابه إلى ذلك وجلس الطائع على سرير الخلافة في صدر صحن السلام ، وحوله من خدمه الخواص نحو مائة بالمناطق والسيوف والزينة ، وبين يديه مصحف عثمان ، وعلى كتفيه البردة ، وبيده القضيب ، وهو متقلد سيف النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ، وضرب ستارة بعثها عضد الدولة ، وسأل أن يكون حجابا للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله ، ودخل الأتراك والديلم ، ولم يكن مع أحد منهم حديد ، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين ، فلما وصل عضد الدولة أوذن به الطائع فأذن له ، فدخل ، فأمر برفع الستارة ، فقيل لعضد الدولة : قد وقع طرفه عليك ، فقبّل الأرض ولم يقبلها أحد ممن معه تسليما للرقبة [ 1 ] في تقبيل الأرض إليه فارتاع زياد من بين القواد لما شاهد ، وقال بالفارسية : ما هذا أيها الملك ، أهذا هو الله عز وجل ؟ فالتفت إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف وقال له : فهّمه وقل له : هذا خليفة الله في الأرض ، ثم استمر يمشي ويقبل الأرض تسع مرات ، والتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال له : استدنه . فصعد عضد الدولة وقبل الأرض ، دفعتين [ 2 ] فقال له الطائع : ادن إليّ ، ادن إليّ ، فدنا ، وأكب ، وقبل رجله ، وثنى الطائع يمينه عليه / وكان بين يديه سريره مما يلي الجانب الأيمن للكرسي ، ولم يجلس فقال له ثانيا : اجلس . فأومأ ، ولم يجلس ، فقال له : أقسمت عليك لتجلسن ، فقبل الكرسي ، وجلس ، فقال له الطائع : ما كان أشوقنا إليك ، وأتوقنا إلى مفاوضتك . فقال : عذري معلوم . فقال : نيتك موثوق بها ، وعقيدتك مسكون إليها . وأومأ برأسه ، ثم قال له الطائع : قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله تعالى إليّ من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها ، وتدبيرها في جميع جهاتها [ 3 ] سوى خاصتي وأسبابي ، وما وراء بابي ، فتولّ ذلك مستخيرا باللَّه تعالى . فقال له عضد الدولة : يعينني الله عز وجل على طاعة مولانا
هامش
[ 1 ] في الأصل : « للرتبة » . [ 2 ] في الأصل : « مرتين » . [ 3 ] في الأصل : « حركاتها » .