فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد ، وبلغ المعتصم خبره ، فحمله إليه وهو بسامراء ، فمدحه فأجازه وقدّمه على الشعراء ، وقدم بغداد وجالس بها الأدباء ، وكان ظريفا ، حسن الأخلاق ، كريم النفس ، فأقر له الشعراء بالتقدم .
أخبرنا [ أبو منصور ] عبد الرحمن بن محمد قال : [ أخبرنا أبو بكر ] علي بن ثابت [ 1 ] ، أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني قال أخبرنا المعافى بن زكريا ، حدثنا محمد بن محمود الخزاعي ، حدثنا علي بن الجهم قال : كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع المدينة ، فيتناشدون الشعر ، ويعرض كل واحد منهم على صاحبه [ 2 ] ما أحدث من القول بعد مفارقتهم في الجمعة [ 3 ] التي قبلها ، فبينا [ 4 ] أنا في جمعة من تلك الجمع ، ودعبل ، وأبو الشيص . وابن أبي فنن [ 5 ] ، والناس يستمعون إنشاد بعضنا بعضا ، أبصرت شابا في أخريات الناس ، جالسا في زي [ 6 ] الأعراب وهيئتهم ، فلما قطعنا الإنشاد قال لنا : قد سمعت إنشادكم منذ اليوم / 60 / أفاسمعوا إنشادي ، قلنا : هات ، فأنشدنا :
فحواك عين على نجواك يا مذل [ 7 ]
حتام لا يتقضّى قولك الخطل
وإن أسمع من نشكو إليه جوى [ 8 ]
من كان أحسن شيء عنده العذل
ما أقبلت أوجه اللذات سافرة
مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت أن لا ترى صبر اليقين بها [ 9 ]
فانظر على أي حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيره
دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
هامش
[ 1 ] في ت : « أخبرنا أبو منصور بن محمد أخبرنا أبو بكر » .
[ 2 ] في ت : « أصحابه » .
[ 3 ] في الأصل : « من الجمعة » .
[ 4 ] في ت : « قال بينما » .
[ 5 ] في ت : « فتن » .
[ 6 ] في ت : « في بزي » .
[ 7 ] في ت : « نحراك على نحراك يا رجل » .
وفي تاريخ بغداد : « فحواك دل » .
[ 8 ] في ت : « وأن أسمع من يشكو إليه هوى » .
[ 9 ] في ديوانه : « أن لا ترى صبرا لمصطبر » .