باب ذكر خلافة سليمان بن عبد الملك [ 1 ]
ويكنى أبا أيوب ، بويع يوم موت أخيه الوليد ، وكان بالرّملة ، فوصل الخبر إليه بعد سبعة أيام ، [ فبويع ] ، وسار إلى دمشق ، فورد على فاقة من الناس إليه لما كانوا فيه من جور الوليد وعسفه ، فأحسن السيرة ، ورد المظالم ، وفك الأسرى ، وأطلق أهل السجون ، واتخذ عمر بن عبد العزيز وزيرا ، ثم عهد إليه .
وكان طويلا أسمرا أعرج أكولا [ 2 ] ، نشأ بالبادية عند أخواله ، فلما قدم صعد المنبر ، فخنقته العبرة ، ثم قال :
ركب القلا به المطي فغافل
عن سيره ومشمّر لم يغفل
لا بدّ أن يرد المقصر والَّذي
حب النجاء محله لم تحلل
يا أيها الناس ، رحم الله من ذكر فاذّكر ، فإن العظة تجلو العمى ، إنكم أوطنتم أنفسكم دار الرحلة ، واطمأننتم إلى دار الغرور فألهاكم الأمل وغرتكم الأماني ، فأنتم سفر وإن أقمتم ، ومرتحلون وإن وطنتم ، لا تشتكي مطاياكم ألم الكلال ، ولا يتعبها دأب السير ، ليل يدلج بكم وأنتم نائمون ، ونهار يجد بكم وأنتم غافلون ، لكم في كل يوم مشيع لا يستقبل ، ومودع لا يؤوب . أولا ترون - رحمكم الله - إلى ما أنتم فيه منافسون ، وعليه مواظبون ، وله مؤثرون ، من كثير يفنى ، وجديد يبلى ، كيف أخذ به المخلفون له ، وحوسبوا عليه [ 3 ] دون المتنعم به ، فأصبح كل منهم رهنا بما كسبت يداه . وما الله بظلام للعبيد .
هامش
[ 1 ] تاريخ الطبري 6 / 505 ، والبداية والنهاية 9 / 186 .
[ 2 ] ذكرت جميع المراجع أنه كان طويلا أبيض ، ولم تذكر المراجع أنه أعرج .
[ 3 ] في ت : « وحوسبوا به دون » .