تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
دخل ابن عباس على عمرو بن العاص يعوده ، فقال : كيف تجدك يا أبا عبد الله ؟ قال : أجدني قد أفسدت ديني بدنياي ، أصلحت من دنياي قليلا / وأفسدت من آخرتي 81 / ب كثيرا ، فوددت أن الَّذي أفسدت هو الَّذي أصلحت ، أن الَّذي أصلحت هو الَّذي أفسدت ، ولو كان ينجيني ترك ما في يدي لتركته ، ولو كنت أدرك ما أطلب طلبت ، فقد صرت كالمنجنيق بين السماء والأرض ، لا يرقى بيد ، ولا يرقى برجل ، فهو متحير بين الحياة والموت ، ويأمل أن يكون في الموت راحته ، ويخاف مما قدمت يده ، فعظني يا ابن أخي ، فقال : يا أبا عبد الله ، إن شئت أن تبكي بكيت ، فلست تدري متى يقع الأمر وأنت تأمرنا بالرحيل وأنت مقيم ، ولو دعوت دعوة لا تلقي صولها إلى يوم القيامة . قال : فغضب عمرو وقال : تؤنسني من نفسي وتؤنسني من رحمة ربي ، اللَّهمّ خذ مني حتى ترضى ، فقال ابن عباس : هيهات يا عبد الله سلفت جديدا وتعطي خلقا ، فقال عمرو : ما لي ولك يا ابن عباس ، ما سرحت كلمة إلى ربي إلا أخذت بغيها ، ثم تمثل عمرو :
كم عائد رجلا وليس يعوده إلا لينظر هل يراه يفرق [ 1 ]
أخبرنا أبو الحسن الأنصاري ، قال : أخبرنا علي بن عبد الله النيسابورىّ ، قال : أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، قال : أخبرنا ابن عمرويه ، قال : أخبرنا إبراهيم بن محمد شعبان ، قال : أخبرنا مسلم بن الحجاج [ 2 ] ، قال : حدّثنا محمد بن المثنى ، قال : حدّثنا الضحاك - يعني أبا عاصم - قال : حدّثنا حيوة بن شريح ، قال : حدّثنا يزيد بن أبي حبيب ، قال : أخبرنا ابن شماسة المهريّ ، قال [ 3 ] : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت ، فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار ، فجعل ابنه يقول : يا أبتاه ، أما بشرك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بكذا ، أما بشرك بكذا ؟ قال : فأقبل بوجهه فقال : إن أفضل ما تعدّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، إني قد كنت على أطباق ثلاث : لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مني ولا أحب إليّ من أن يكون استمكنت منه فقتلته فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل
هامش
[ 1 ] في ت : « يفوت » . [ 2 ] في ت : « بن الجراح » . [ 3 ] الخبر في طبقات ابن سعد 4 / 2 / 6 .