بالسفطين حتى قدمنا بهما المدينة ، فأجلست صاحبي مع السفطين وانطلقت في طلب أمير المؤمنين عمر ، فإذا به يغدي الناس وهو يتوكأ على عكاز وهو يقول : يا برقي ضع ها هنا . فجلست في عرض القوم لا آكل شيئا ، فمر بي فقال : ألا تصيب من الطعام ، فقلت : لا حاجة لي إليه ، فرآني الناس وهو قائم يدور [ 1 ] فيهم فقال : يا برقي خذ خوانك وقصاعك ، ثم أدبر فاتبعته فجعل يتخلل طرق المدينة حتى انتهى إلى دار قوراء عظيمة ، فدخلها فدخلت في أثره ، ثم انتهى إلى حجرة من الدار فدخلها فقمت مليا حتى ظننت أن أمير المؤمنين قد تمكن من مجلسه ، فقلت : السلام عليك ، فقال : وعليك السلام ، ادخل ، فدخلت فإذا هو جالس على وسادة [ مرتفقا أخرى ، فلما رآني نبذ إليّ التي كان مرتفقا ، فجلست عليها ] [ 2 ] فإذا هي تعرى ، وإذا حشوها ليف ، قال : يا جارية أطعمينا ، فجاءت بقصعة فيها قدر من خبز يابس ، فصب عليها زيتا ما فيه ملح ولا خل ، فقال : أما أنها لو كانت راضية لأطعمتنا أطيب من هذا ، فقال لي : ادن ، فدنوت ، قال : فذهبت أتناول منها قدره ، فلا والله لا أستطيع أن أجيزها ، فجعلت ألوكها مرة من ذا الجانب / ومرة من ذا الجانب فلم أقدر على أن أسيغها ، وأكل هو أحسن الناس أكلا لم يتعلق له طعام بثوب أو شعر ، حتى رأيته يلطع جوانب القصعة ، ثم قال : يا جارية اسقنا ، فجاءت بسويق سلت ، فقال : أعطه ، فناولتنيه ، فجعلت إذا أنا حركته ثار له غبار ، فلما رآني قد بشعت ضحك ، فقال : ما لك ، أرنيه إن شئت ، فناولته ، فشرب حتى وضع على جبهته هكذا ، ثم قال : الحمد للَّه الَّذي أطعمنا وسقانا فأروانا وجعلنا من أمة محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم ، قلت :
قد أكل أمير المؤمنين فشبع فروي ، حاجتي جعلني الله فداك ، قال : للَّه أبوك ، فمن أنت ؟ قلت : رسول سلمة بن قيس ، قال : فباللَّه ، لكأنما خرجت من بطنه تخفّفا عليّ وحبا ، ثم قال : لتخبرني عن من جئت من هذه ، وجعل يقول وهو يزحف إليّ : للَّه أبوك ، كيف تركت سلمة بن قيس ؟ كيف المسلمون ؟ ما صنعتم ؟ كيف حالكم ؟
قلت : ما تحب يا أمير المؤمنين ، وقصصت عليه الخبر على أنهم ناصبونا القتال ، فأصيب رجل من المسلمين ، فاسترجع وبلغ منه ما شاء الله ، وترحم عليه - أعني على الرجل - طويلا ، قلت : ثم إن الله فتح علينا يا أمير المؤمنين ، فتحا عظيما ، فملأ
هامش
[ 1 ] في الأصل : « وشبع وهو قائم عليهم يدور » .
[ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، أوردناه من أ ، ظ .