تعملون إذا ملكتم ، فكل واحد بذل من نفسه شيئا ، فقال الإسكندر : أعمل حسب ما يوجبه الوقت ، ويقتضيه العقل ، فقال له : أنت أحرى بالرئاسة والملك .
فلما ملك الإسكندر كان أرسطاطاليس له كالوزير يكاتبه ويعمل برأيه ، فكتب إليه :
إن في عسكري جماعة لا آمنهم على نفسي لبعد هممهم وشجاعتهم ، ولا أرى لهم عقولا تفي بتلك الفضائل .
فكتب إليه : أما ما ذكرت من بعد هممهم ، فإن الوفاء من بعد الهمة . وأما شجاعتهم ونقص عقولهم فمن هذه حاله فرفّهه في معيشته ، وأخصصه بحسان النساء ، فإن رفاهية العيش توهي العزم ، وتحبب السلامة ، وليكن خلقك حسنا تخلص لك النيات ، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوساط رعيتك مثله ، فليس مع الاستئثار محبة ، ولا مع المواساة بغضة .
واعلم أن المملوك إذا اشتري لا يسأل عن مال سيده ، وإنما يسأل عن خلقه .
وهذا أرسطاطاليس كان من كبار الحكماء ، قال يوما أفلاطون لأصحابه : ما العجب ؟ فتكلموا ، فقال أرسطاطاليس : ما ظهر وخفيت علته ، قال : أنت أفضل الجماعة .
وكان أرسطاطاليس يقول : لكل شيء صناعة وصناعة العقل حسن الاختيار .
وقال : اعص الهوى وأطع من شئت .
وقيل له : ألا تجتمع الحكمة والمال ؟ فقال : آخر الكمال .
وكتب إلى بعض ملوك يونان وكان مستهترا باللعب : إذا علمت الرعايا تسليط الهوى على الملك تسلطت عليه ، فاقهر هواك تفضل حكمتك ، والسلام .
فكتب الملك : أيها الحكيم إذا كانت بلادنا عامرة ، وسبلنا آمنة ، وعمالنا عادلة ، فلم تمنع لذة عاجلة .
فكتب إليه : إنما تمهدت الأمور على ما ذكرت بيقظتك بالحكمة دون غفلتك باللذة ، فما أخوفني أن تهدم ما بنته الحكمة ما جنته الغفلة . فأقبل الملك على السياسة .
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك — صفحة 427
مساهمون: ابن الجوزي
ص٤٢٧