ولمّا توغّلتُ في الدراسة العلميّة ، ونزحْتُ مُهاجراً من مسقط رأسي مدينة
كربلاءَ المقدّسةَ إلى النَجَف الأشرف ، لتكميل الدراسات العُليا ، وقفتُ على آَثارَ حيّة مَشِيدة باسمه كالمدرسة الكُبرى ، والمكتبة العُظمى .
ومع توسّع الآفاق ، وسفري سنة 1385 ه . زائراً إلى مدينة قُم حيثُ كان مقرّ
السيّد ، وقفتُ على الآثار الفخمة هُناك ، كالمكتبة الخالدة الزاخرة بالمخطوطات ، والمسجد الأعظم .
واطّلعتُ - بعد ذلك - على صِيْتِهِ الحَسَن المُدَوي ، خارجَ الإطار الشيعيّ ،
فتلك دارُ التقريب بين المذاهب الإسلاميّة في القاهرة .
وحتّى خارج الإطار الإسلاميّ ، فالمركزُ الإسلاميّ في مدينة هامبورك في
ألمانيا ، والآخر في واشنطن .
وكلّما توسّعتُ في البحث ، وجدتُ أنّ السيّد البُروجِرديّ يملأ عصره سمعةً
حَسَنَةً ، وعملاً كريماً خالداً .
وفي داخل الحوزة العلميّة ، وأروقة دراساتها ، كانَ يتردّدُ صدى شخصيّته
العلميّة الخارقة ، فلم ينقطع له ذكر بعد وفاته ، وكان الحديث شائعاً عن إنجازاته العلمية الرائعة والمبتكرة الماثلة في موسوعة « جامع أحاديث الشيعة » وهو لم يتّسع نشره وتداوله إلاّ بعد وفاته .
وأمّا عمله الرجاليّ الجَبّار فكان صداهُ يتردّد بين الأساتذة ، وفي الدروس
العُليا .
وكنتُ أنا الذي قلّدتُهُ لمدّة شُهور ، أشْوَقَ ما أكونُ إلى معرفة المزيد عنه ، وعن سعة علمه ، وعُمق اجتهاده ، فدارَ بِنا الحديثُ مع شَيْخنا في الرواية ، المحقّق الكبير العلاّمة السيّد محمّد صادق بَحر العلوم ( 1 ) عن المرجعيّات الشيعيّة وكيفيّة بزوغها ،
هامش
( 1 ) السيّد محمّد صادق بن السيّد حسن بحر العلوم الطباطبائي النجفي ( 1315 - 1399 ) من علماء النَجَف ، البارزين في حقول الأدب والعلم وتحقيق التراث ، وهو أقدم المحقّقين عملاً ، حيث أخرج - طول حياته - العديد من ذخائر التراث الشيعيّ ، بأجود ما تيسّر في عصره من أدوات وأساليب ، مع المقدّمات الضافية عن مؤلّفيها وموضوعاتها ، مضافاً إلى مؤلّفاته الكثيرة ،
وأشهرها « دليل القضاء الشرعي » في ( 6 ) مجلّدات ، طبع نصفها .
وألّف مجاميع بلغت 14 ضمّنها ما اختاره من شعر ونثر ورسائل وتحف ونوادر ، وله شعر كثير رائع في المناسبات والأحداث ، يبلغ المئات من الأبيات ، أجازني رحمه الله إجازة مفصّلة في 1394 ه . وتوفّي سنة 1399 ه . في 21 شهر رجب ، ودفن في مقبرة العائلة في النَجَف الأشرف .