وقد كان سرّ الشّيعة في دولة الخلفاء الجائرة ما أفاده إليهم أئمّة الحقّ من الأحكام والآداب الخاصّة وأمروهم بحفظه وصيانته عن الأعداء ، ووردت أخبار كثيرة في ذمّ من يذيع هذه الأسرار عند الأغيار .
( والبشاشة حبالة المودّة ) البشر وحسن الخلق مما يجلب به ويحفظ مودّة النّاس ، وكما يصاد بالحبالة الطيور النافرة يصاد بالبشاشة وحسن الخلق القلوب الوحشيّة ، وقد وصّى عليه السّلام ابنه الحسن في حديث المعاشرة بقوله : وبشرك للعامّة يعني أنّ حسن الخلق أدب مع كلّ النّاس .
( والاحتمال قبر العيوب ) الاحتمال نوع من الحلم تجاه ما يكره من قول أو فعل يصدر عن المعاشر من صديق أو عدوّ ، فإذا تحمّله الانسان ولم يظهر الضّجر يصير سببا لدفن العيوب من وجهين : 1 - أنّ كثيرا من العيوب يتولَّد من عدم الاحتمال نفسه ، فكم من شخص غاظ من قول مكروه أو فعل غير ملائم فارتكب الجرائم والمعاصي والذّمائم والمآثم .
2 - أنّه إذا لم يتحمّل تلك المكاره وقام في وجه المرتكب بالانتقام والسّفه يبدون معايبه المكنونة ويفضحونه بما يعلمون من سرائر حاله ، فتحمّل المكاره موجب لستر العيوب .
وقال في شرح ابن الميثم : وروي أنّه عليه السّلام قال في العبارة عن هذا المعنى أيضا : ( المسالمة خباء العيوب ) قال الجوهريّ : الخباء : واحد الأخبية بيت من وبر أو صوف ولا يكون من شعر ويكون على عمودين أو ثلاثة ، وما فوق ذلك فهو بيت والمسالمة فضيلة تحت العفّة انتهى .
والأنسب أن يجعل المسالمة من فروع الشجاعة الأدبيّة فانّ مرجعها إلى المقاومة في قبال هجوم الغضب والطمأنينة في موقع الاستفزاز . وفي الشرح :
إذا نطق السفيه فلا تجبه
فخير من إجابته السّكوت
سكتّ عن السّفيه فظنّ أنّي
عيبت عن الجواب وما عييت