ثمّ ينفض يده منه يكون أشدّ تخلية ممن لا ينفضها ، بل يقنع بتخليته فقط .
وتشبيه الطاعة بالحبل من تشبيه المعقول بالمحسوس ووجه الشّبه أنّ الحبل آلة الوصلة بين الشيئين والطاعة سبب الاتّصال بقرب الخالق ، ولذلك أمر اللَّه سبحانه بالاعتصام به في قوله * ( « واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا » ) * .
( وثلمتم حصن اللَّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ) استعار حصن اللَّه للاسلام ، ورشح بذكر المضروب ، والجامع بين المستعار منه والمستعار له أنّ الحصن سبب الحفظ والوقاية من شرّ الأعداء ، والاسلام سبب السّلامة من شرّ الأعداء في الدّنيا ومن حرّ النّار في الآخرة ، يعني أنّكم كسرتم حصن الاسلام الَّذى كنتم متحصّنين فيه متحفّظين به بأحكام الجاهليّة وهي التفرّق والاختلاف والعصبيّة والاستكبار .
ولمّا وبّخهم على ترك الطاعة وثلم الاسلام بالافتراق والاختلاف رغَّبهم في الاعتصام بحبل الايتلاف والاجتماع بالتّنبيه على أنّه أعظم نعمة أنعم اللَّه سبحانه بها على عباده وهو قوله : ( وانّ اللَّه سبحانه قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة ) أي منّ عليهم ( فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة الَّتي ينتقلون ) وفي بعض النسخ يتقلَّبون ( في ظلَّها ويأوون إلى كنفها ) أي ينزلون ويسكنون إلى جانبها وناحيتها .
والمراد بحبل الألفة هو الاسلام الموجب للايتلاف والارتباط بينهم استعار له الحبل لذلك .
( بنعمة ) أي امتنّ عليهم بنعمة عظيمة ( لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ) والمراد بتلك النعمة نفس هذه الألفة أو الاسلام الموجب لها ، فانّها نعمة عظيمة يترتّب عليها من المنافع الدّنيويّة والأخروية ما لا تحصى ، ويندفع بها من المضار الدّنيوية والاخرويّة ما لا تستقصى .
وفي هذه الفقرات تلميح إلى قوله تعالى في سورة آل عمران * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِه ولا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 7
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٧