الفايدة الثانية
نقلوا في سبب هذه الخطبة أنّ أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته عليه السّلام قد فسدوا وكانوا قبايل متعدّدة ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمرّ بمنازل قبيلة أخرى فيصيبه أدنى مكروه فينادى باسم قبيلته ، مثلا يا للنخع يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة وإثارة الشرّ ، فيتألَّب عليه فتيان القبيلة ، فينادون يا لتميم ويا لربيعة ، ويقبلون إلى ذلك الصايح فيضربونه ، فيمضى إلى قبيلته فيستصرخها فتثور الفتن وتسلّ السيوف ، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلَّا تعرّض الفتيان بعضهم ببعض ، وكثر ذلك فخرج عليه السّلام على ناقته فخطبهم بهذه الخطبة كسرا لصولتهم .
الفايدة الثالثة
قال السيد « ره » ( وهى تتضمّن ذمّ إبليس على استكباره وتركه السجود لآدم عليه السّلام وانّه أول من أظهر العصبية وتبع الحميّة وتحذير الناس من سلوك طريقته ) .
أقول : للَّه درّ السيّد فقد وقف على أنجد هذه الخطبة ولم يقف على أغوارها ، وخاض في ضحا ضحها ولم يلجج في غمارها ، أو أن تقريره قصر عن التعبير بما انطوى عليه ضميره ، فانّ الغرض الأصلي لأمير المؤمنين عليه السّلام من هذه الخطبة هو تقريع المتكبّرين ، وتوبيخ المتجبّرين ، وتهديد المستكبرين ، وزجرهم وإزعاجهم عن التجبّر والاستكبار ، وردعهم عن الاتصاف بهذه الصفة الخبيثة الخسيسة والخصلة الرذيلة ولما كان اقتصاص حال إبليس أبلغ في التأدية إلى هذا الغرض وآكد في مقام الرّد والابعاد ، وأشدّ في التهديد والايعاد ، لا جرم صدّر الكلام باقتضاء الحال والمقام لشرح حال إبليس اللَّعين ، وأطنب ببيان ما نزل به من النكال العظيم والعذاب الأليم .
وقد ذكرنا في ديباجة الشرح أنّ اللَّازم على الخطيب المصقع أن يراعى حسن الابتداء ويصدّر كلامه بما يناسب الغرض المسوق لأجله الكلام .
إذا عرفت ذلك ظهر لك إن كنت من الصناعة أنّ هذه الخطبة تقطر الفصاحة من أعطافها ، وتؤخذ البلاغة من ألفاظها ، وإن تدبّرت عرفت فيها حسن كفايتها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 267
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٧