بعناية واجتهاد لاقبالها على بعض أهلها بخيراتها كالصديق المعتنى بحال صديقه ولادبارها عن بعضهم واصابتها له بمكروهها كالعدوّ القاصد لهلاك عدوّه ، واستعار لجدّها لفظ الهزل الذي هو ضدّه ، ووجه الاستعارة كونها عند اقبالها على الانسان كالمعتنية بحاله ، وعند إعراضها عنه ورميه بالمصائب كالقاصدة لذلك ، ثمّ تسرع انتقالها عن تلك الحال إلى ضدّها فهي في ذلك كالهازل اللَّاعب .
( وعلوها سفل ) وهو في معنى قوله : وعزّها ذلّ ، أي العلوّ الحاصل بسببها موجب لانحطاط الرتبة في الآخرة .
( دار حرب وسلب ونهب وعطب ) أي دار محاربة أو دار سلب واختلاس وغارة وهلاكة لأنّ أهلها ومالها غرض للآفات وهدف للقتل والغارات ، أو أنّ مالها يسلب عن أهلها ويحرب وينهب بموت صاحب المال وهلاكه ( أهلها على ساق وسياق ) إن فسر الساق بساق القدم فالمراد بالجملة الإشارة إلى زوالها وانقضائها ، يعني أنّ أهلها قائمون على سوقهم وأقدامهم مستعدون للسياق والمسير إلى الآخرة ، وإن فسّر بالشّدة فالمراد أنّ أهلها في شدّة ومحنة وعرضة للموت ، ومعلوم أنها إذا كانت دار حرب ونهب وسلب وعطب يكون أهلها في شدّة لا محالة .
( ولحاق وفراق ) أي أهلها يلحق بعضهم بعضا أي يلحق احياءهم بالأموات ويفارقون من الأموال والأولاد .
( قد تحيّرت مذاهبها ) من المجاز العقلي أي تحيّر أهلها في مذاهبها ومسالكها لا يهتدون إلى طريق جلب خيرها ودفع شرّها ، وذلك لاشتباه أمورها وعدم وضوح سبلها الموصلة إلى المقصود .
( وأعجزت مهاربها وخابت مطالبها ) إسناد الاعجاز إلى المهارب والخيبة إلى المطالب أيضا من باب المجاز ، والمراد أنّ من أراد الهرب والفرار من شرورها فهو عاجز في مواضع الهرب ، ومن أراد النيل إلى عيشها وماربها فهو خائب في محال
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 256
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٦