وقال في الدلالة على جسيم نعمته * ( أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهاداً . وَالْجِبالَ أَوْتاداً . . وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً . وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً . وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً . وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً . . وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً . وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً . وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً . . لِنُخْرِجَ بِه ِ حَبًّا وَنَباتاً . وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً . إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً ) * .
فانّ في تعداد تلك النعم إشارة إلى عظيم ما منّ به على عباده فمن تفكَّر فيها أناب إلى طريق الحقّ ونهج الصواب ، وخاف من سوء المال وأليم العذاب ( ولكن ) الناس بمعزل عن هذا بعيدون عن الاهتداء إليه لأنّ ( القلوب عليلة ) سقيمة ( والأبصار ) أي البصاير كما في بعض النسخ ( مدخولة ) معيبة ، فكان مرضها وعلَّتها مانعة عن التدبّر والتفكر .
والمراد بعلَّتها خروجها عن حدّ الاعتدال والاستقامة بسبب توجّهها إلى الشهوات النفسانيّة والعلايق البدنية ، لأنّ مرض القلوب عبارة عن فتورها عن درك الحق بسبب شوبها بالشكوك والشبهات وفسادها بالعلايق والأمنيات ، كما أنّ مرض الأعضاء عبارة عن فتورها عن القيام بالآثار المطلوبة منها بسبب طروّ الفساد عليها وخروجها عن حدّ الاعتدال .
قال تعالى * ( « فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً » ) * وقال * ( « وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ » ) * أي غطاء ، فإنهم لما اعرضوا عن النظر فيما كلفوه أو قصروا فيما أريد منهم جهلوا ما لزمهم الايمان به ، فصاروا كمن على عينيه غطاء وهو معنى العيب في الأبصار .
فان قيل : لم خصّ القلوب والأبصار بالذكر .
قلت : لأنّ القلب محلّ الفكر والنظر والأبصار طريق إليها وإن كانت الأسماع طريقا أيضا إلَّا أنّ الأبصار لكونها أعظم الطرق خصّت بالذّكر وقد جمعتها جميعا الآية الشريفة * ( خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ « ) * .
ولما أشار إلى عظيم قدرته اجمالا ووبخ على غفلة القلوب وعيب الأبصار وكان المقصود بذلك جذب نفوس المخاطبين وتوجيه قلوبهم إلى إقبال ما يذكَّرهم به أو
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 19
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٩